الخلع في القانون الأردني: الافتداء وأثره على حقوق الزوجة

الخلع في القانون الأردني: الافتداء وأثره على حقوق الزوجة

راشد العبويني - محامي نظامي- شرعي
بقلم: راشد العبويني محامي نظامي- شرعي

الخلع في الأردن قرار مالي قبل أن يكون قراراً شخصياً، فالزوجة التي تختاره قد تتنازل عن حقوق كان القانون سيحفظها لها لو سلكت طريقاً آخر. والخلع إنهاء للزواج مقابل عوض تبذله الزوجة، وقد نظّمه قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (15) لسنة 2019 بصورتيه في المواد من (102) إلى (114): الخلع الرضائي الذي يتم باتفاق الزوجين، والتفريق للافتداء الذي تحكم به المحكمة بطلب الزوجة ولو امتنع الزوج. وقد يبدو الافتداء الطريق الأقصر، مع أن وقائع ملفاتهن قد تسمح بدعوى تحفظ لهن المهر المؤجل ونفقة العدة. ولهذا فإن دراسة محامٍ مختص بالقضايا الشرعية للوقائع، قبل أي إقرار أمام المحكمة، هي التي تحدد ما ستخسره الزوجة وما ستحفظه.

أولاً: صورتا الخلع في القانون الأردني

الخلع الرضائي. تعرّفه المادة (102) بأنه طلاق الزوج زوجته نظير عوض يتراضيان عليه، بلفظ الخلع أو الطلاق أو المبارأة. ويصح أن يكون العوض أي مال يجوز التصرف فيه شرعاً (م105)، فقد يكون المهر نفسه أو جزءاً منه أو مالاً آخر. ويقع بالخلع والطلاق على مال طلاق بائن بنص المادة (113)، فلا يملك الزوج مراجعة زوجته في العدة.

التفريق للافتداء. هو ما يُعرف في التداول بالخلع القضائي، وتنظمه المادة (114) لحالة امتناع الزوج عن الاتفاق. فقبل الدخول تودع الزوجة ما قبضته من مهر وما أخذته من هدايا وما أنفقه الزوج من أجل الزواج. وبعد الدخول أو الخلوة تقرّ صراحة بأنها تبغض الحياة مع زوجها وأنه لا سبيل لاستمرارها، وتفتدي نفسها بالتنازل عن جميع حقوقها الزوجية ورد الصداق الذي قبضته. وفي الحالتين تحاول المحكمة الصلح أولاً، ثم تبعث حكمين، فإن تعذّر التوفيق حكمت بالتفريق.

في الخلع الرضائي يصوغ الطرفان العوض بأنفسهما، أما في الافتداء فالنص يحدد سلفاً ما تتنازل عنه الزوجة. ومن أول ما يدرسه المحامي في الملف أيّ الصورتين متاحة فعلاً، وهل يمكن الوصول إلى خلع رضائي بعوض أخف من التنازل الكامل الذي يفرضه الافتداء.

ثانياً: ما تتنازل عنه الزوجة، وما لا يملك أحد التنازل عنه

في الخلع الرضائي تحدد المادتان (106) و(107) الأثر المالي: فإذا كان الخلع على مال غير المهر لزم أداؤه وبرئت ذمة الطرفين من كل حق متعلق بالمهر ونفقة الزوجية، وكذلك إذا لم يُسمَّ عوض أصلاً. غير أن المادة (109) تستثني نفقة العدة، فلا تسقط إلا إذا نُص على إسقاطها صراحة في الخلع. ومن هنا خطورة الصياغة: عبارة واحدة في صك الخلع قد تُسقط نفقة كانت ستبقى للزوجة.

أما في الافتداء بعد الدخول فالمقابل أثقل: التنازل عن جميع الحقوق الزوجية ورد الصداق المقبوض. وما يدخل في عبارة «جميع حقوقها الزوجية» في ملف بعينه مسألة يدققها المحامي في ضوء النص قبل أن تُدلي الزوجة بإقرارها، لا بعده.

ولا يدخل في أي خلع ما هو حق للأولاد. فالأم النسبية أحق بحضانة ولدها حال قيام الزوجية وبعد الفرقة (م170)، وإذا اشترط الزوج في الخلع أن يبقى الولد عنده مدة الحضانة بطل الشرط وصح الخلع (م111). ونفقة الولد الذي لا مال له على أبيه لا يشاركه فيها أحد (م187).

غير أن المادة (110) تفتح باباً دقيقاً في الخلع الرضائي: يجوز أن تلتزم الأم، عوضاً عن الخلع، بإرضاع الولد أو حضانته دون أجر أو بالإنفاق عليه مدة معينة، فإن أخلّت بالتزامها رجع الأب عليها بما يعادله، وإن كانت معسرة أنفق الأب ويكون ما أنفقه ديناً عليها. وهذا البند يحوّل نفقة الأولاد من التزام على الأب إلى دين محتمل على الأم. وتفصيل أحكام هذه النفقة وتقديرها في مقال نفقات الأولاد في الأردن وأحكامها.

ثالثاً: الحقوق المالية للزوجة بين الخلع والشقاق وطلاق الزوج

يقارن الجدول التالي ما يقرره قانون الأحوال الشخصية لكل طريق من طرق إنهاء الزواج:

الحق الخلع الرضائي الافتداء القضائي التفريق للشقاق والنزاع طلاق الزوج بإرادته
من ينهي الزواج الزوج مقابل عوض متفق عليه (م102) المحكمة بطلب الزوجة (م114) المحكمة بناءً على تقرير الحكمين (م126) الزوج بإرادته المنفردة
المهر المعجل المقبوض بحسب العوض المتفق عليه (م105–106) تردّه الزوجة (م114) إن كانت الإساءة كلها من الزوجة جاز التفريق على عوض لا يزيد على المهر (م126) يبقى للزوجة
المهر المؤجل تبرأ الذمتان منه إذا كان العوض غير المهر أو لم يُسمَّ عوض (م106–107) يدخل في نطاق التنازل عن جميع الحقوق الزوجية بحسب النص (م114/ب) يبقى إن كانت الإساءة كلها من الزوج، ويُوزَّع بنسبتها إن اشتركا (م126) يستحق بالطلاق ما لم يُحدَّد له أجل لم يحلّ (م42)
نفقة العدة لا تسقط إلا بنص صريح في الخلع (م109) محل تدقيق في ضوء عبارة التنازل عن جميع الحقوق الزوجية تبقى إن كانت الإساءة من الزوج، وإلا فبحسب تقرير الحكمين (م126) تجب على الزوج (م151)
تعويض الطلاق التعسفي لا محل له لا محل له لا محل له، فالمادة (155) خاصة بطلاق الزوج إن طلّق دون سبب معقول وطلبت الزوجة التعويض: لا يقل عن نفقة سنة ولا يزيد على نفقة ثلاث سنوات (م155)
حضانة الأولاد لا تتأثر، وشرط إمساك الأب للولد باطل (م111) لا تتأثر (م170) لا تتأثر (م170) لا تتأثر (م170)
نفقة الأولاد على الأب، ويجوز أن تلتزم بها الأم عوضاً عن الخلع (م110) على الأب (م187) على الأب (م187) على الأب (م187)

خلاصة الجدول أن الافتداء يضمن التفريق ويكلّف الحقوق الزوجية كلها، وأن الشقاق قد يحفظ هذه الحقوق إذا ثبتت إساءة الزوج أمام الحكمين. وأيّ الطريقين أصلح لملف بعينه أمر يقدّره المحامي من الوقائع والبينات، لا من الجدول.

رابعاً: الخلع أم الشقاق: قرار يحسمه الإثبات

تجيز المادة (126) لكل من الزوجين طلب التفريق للشقاق والنزاع إذا ادعى إضرار الآخر به قولاً أو فعلاً على نحو لا يُستطاع معه دوام العشرة. ويحقق الحكمان في أسباب الخلاف، ويبني القانون الأثر المالي على نتيجة تحقيقهما: فإن كانت الإساءة كلها من الزوج فُرّق بينهما مع بقاء حقوق الزوجة، وإن كانت كلها من الزوجة فُرّق على عوض لا يزيد على المهر، وإن اشتركا وُزّع العوض بنسبة إساءة كل منهما. ويثبت الشقاق والنزاع بحسب المادة (127) بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين.

فالزوجة التي تعرضت لإساءة يمكن إثباتها قد تخسر بالافتداء حقوقاً كانت دعوى الشقاق ستحفظها لها، والزوجة التي لا تملك بينة قد تنتهي دعواها بتحميلها نسبة من الإساءة. واختيار الطريق بين الدعويين يختلف بحسب البينات المتاحة ومدى قابلية الإساءة للإثبات، وهو نفسه نقطة قانونية تستحق استشارة. ويعرض مقال التفريق للشقاق والنزاع دور الحكمين في توزيع الإساءة.

ملاحظة عملية: الإقرار بالبغض والتنازل الذي تشترطه المادة (114/ب) يُدلى به أمام المحكمة ويُبنى عليه الحكم، ولا يتطلب إثبات أي إساءة من الزوج. لذلك لا تُقدمي على هذا الإقرار قبل أن تُعرض وقائع الإساءة، إن وُجدت، على المحامي ليقدّر إن كانت تفتح طريقاً يحفظ الحقوق المالية. فالموازنة بين الطريقين تتغير بحسب البينات المتاحة في كل ملف، وتستحق مراجعة الحالة أو استشارة محامٍ مختص.

خامساً: الخلع من جهة الزوج

الزوج الذي تُرفع عليه دعوى افتداء لا يملك منع التفريق إذا فشل الصلح والتحكيم، لكن النص يمنحه حقوقاً مالية محددة: استرداد ما قبضته الزوجة من مهر، ويضاف قبل الدخول ما قدّمه من هدايا وما أنفقه من أجل الزواج. وإذا اختلف الزوجان في مقدار نفقات الزواج والهدايا أُحيل تقديرها إلى الحكمين (م114). ويدرس محامي الزوج إثبات هذه المبالغ منذ الجلسة الأولى، لأن الحكمين يبنيان تقديرهما على ما يُعرض عليهما.

ولا يصلح الخلع وسيلة لنقل الحضانة إلى الأب، إذ يبطل شرط إبقاء الولد عنده مدة الحضانة (م111). أما إذا أنهى الزوج الزواج بطلاق منفرد دون سبب معقول، فقد يواجه مطالبة بتعويض وفق المادة (155).

سادساً: العدة والحضانة بعد الخلع

العدة بحسب المادة (145) مدة تربص تلزم المرأة إثر الفرقة من فسخ أو طلاق أو وفاة، فتجري أحكامها على الخلع، دون أن يملك الزوج مراجعة زوجته خلالها لأنه طلاق بائن. أما الحضانة فلا ترتبط بطريقة انتهاء الزواج، والخلع لا يسقطها، لكنها قد تنتقل لاحقاً لأسباب مستقلة عنه كفقدان أحد شروط الحاضن. ولذلك يراجع المحامي عند صياغة الخلع كل التزام يتصل بالأولاد، لأن ما يُكتب في الصك قد يُستحضر لاحقاً في نزاع الحضانة.

سابعاً: أسئلة متكررة

ما هي حقوق الزوجة عند الخلع في الأردن؟

تتوقف على صورة الخلع. في الخلع الرضائي يحدد الاتفاق ما تحتفظ به الزوجة، ولا تسقط نفقة العدة إلا بنص صريح (م109). وفي الافتداء بعد الدخول تتنازل عن جميع حقوقها الزوجية وترد الصداق المقبوض (م114). أما حضانة الأولاد ونفقتهم فلا يمسها أي خلع.

أيهما أفضل للزوجة: الطلاق أم الخلع؟

لا توجد إجابة عامة. فالطلاق الذي يوقعه الزوج يحفظ للزوجة حقوقها المالية، والتفريق للشقاق قد يحفظها إذا ثبتت إساءة الزوج، أما الخلع فيضمن الفرقة مقابل التنازل. والمفاضلة بينها يحسمها المحامي بعد تقييم البينات المتاحة في الملف.

كم عدة الخلع؟

الخلع طلاق بائن تجري عليه أحكام العدة: ثلاث حيضات كوامل لذوات الحيض، وثلاثة أشهر لغيرهن في الأحوال التي حددتها المادة (147)، وتنقضي عدة الحامل بالوضع (م148).

هل تسقط حضانة الأم بالخلع؟

لا. الأم أحق بحضانة ولدها حال قيام الزوجية وبعد الفرقة (م170)، وأي شرط في الخلع يُبقي الولد عند الأب مدة الحضانة باطل (م111).

هل يستطيع الزوج منع الخلع إذا رفضه؟

لا. في الافتداء القضائي تحاول المحكمة الصلح ثم تبعث حكمين، فإذا تعذّر التوفيق حكمت بالتفريق دون توقف على موافقة الزوج (م114)، ويبقى له استرداد ما حدده النص.

هل يجوز الرجوع عن الخلع؟

يجوز لكل من الطرفين الرجوع عن إيجابه في الخلع الرضائي قبل أن يقبله الآخر (م104). أما بعد وقوعه فهو طلاق بائن (م113)، فلا يملك الزوج مراجعة زوجته في العدة.

استشارة قانونية

الخلع من أكثر قضايا الأسرة حساسية، فمن جهة الزوجة قد يكلّفها الإقرار الخاطئ حقوقاً مالية لا تُستعاد، ومن جهة الزوج تتوقف حقوقه في استرداد المهر والنفقات على ما يثبته أمام الحكمين. وما يُقرّ به أمام المحكمة الشرعية أو يُكتب في صك الخلع يصعب تداركه بعد صدور الحكم. وللحصول على استشارة من محامي خلع وقضايا طلاق مختص، أو للاطلاع على الصلة بين هذا الملف وأحكام الطلاق التعسفي والتعويض عنه وانتقال الحضانة إلى الأب في القانون الأردني، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة والاستشارات القانونية.

مقالات ذات صلة