دعوى التفريق للشقاق والنزاع في القانون الأردني: دور الحكمين وحقوق الزوجة
في دعوى التفريق للشقاق والنزاع يُفحص سلوك الزوجين معاً، وتنتهي الدعوى بتقرير يحدد على من تقع الإساءة وبأي نسبة، ومن هذا التقرير تتحدد حقوق الزوجة المالية: فقد تخرج من الدعوى مطالِبةً بما لم تقبضه من مهرها وبنفقة عدتها، وقد تخرج ملزَمةً بدفع عوض لزوجها. وينظم هذه الدعوى قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (15) لسنة 2019 في المادتين (126) و(127)، اللتين رسمتا مساراً يبدأ بمحاولة الصلح أمام المحكمة الشرعية وينتهي بتقرير الحكمين الذي يحكم القاضي بمقتضاه متى وافق أحكام القانون. ولأن نتيجة هذا المسار تُبنى على ما يُعرض على المحكمة والحكمين منذ الجلسة الأولى، فإن إعداد الملف قبل تقديم الدعوى عمل يتولاه محامٍ مختص بالقضايا الشرعية.
أولاً: مفهوم دعوى الشقاق والنزاع ومن يملك رفعها
دعوى الشقاق والنزاع هي دعوى يطلب فيها أحد الزوجين من المحكمة الشرعية التفريق لضرر لحق به من الطرف الآخر يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية، وقد أجازتها المادة (126) لأي من الزوجين. والضرر في النص إما حسي كالإيذاء بالفعل أو بالقول، وإما معنوي، وهو أي تصرف أو سلوك مشين أو مخل بالأخلاق الحميدة يلحق بالطرف الآخر إساءة أدبية. وألحق القانون بذلك إصرار أحد الزوجين على الإخلال بالواجبات الزوجية الواردة في فصل المسكن والمتابعة، ومنها حسن المعاشرة والمعاملة بالمعروف التي أوجبتها المادة (77).
وتكييف الوقائع ضمن إحدى هذه الصور هو أول ما يدرسه المحامي، لأن الصورة التي تُبنى عليها الدعوى تحدد ما يلزم إثباته لاحقاً وما يُعرض على الحكمين.
غير أن نقطة الانطلاق تختلف بحسب رافع الدعوى. فإذا كانت الزوجة هي المدعية، يتحقق القاضي من ادعائها، ثم يبذل جهده في الإصلاح، فإن تعذر أنذر الزوج بأن يصلح حاله معها وأجّل الدعوى. أما إذا كان الزوج هو المدعي، فعليه أن يثبت وجود الشقاق والنزاع أولاً، ثم تمضي المحكمة في محاولة الصلح والتأجيل. ويحدد هذا الفارق ما يجب أن يكون جاهزاً في الملف قبل الجلسة الأولى، وهو نفسه نقطة قانونية تستحق استشارة قبل تقديم الدعوى.
ثانياً: مراحل الدعوى من الصلح إلى تقرير الحكمين
رتّبت المادة (126) الدعوى في مراحل متتابعة، يبينها الجدول التالي مع ما يدرسه المحامي في كل منها:
| المرحلة | السند القانوني | ما يجري فيها | ما يدرسه المحامي |
|---|---|---|---|
| قبول الادعاء | المادة (126) الفقرتان (أ) و(ب) | يتحقق القاضي من ادعاء الزوجة إن كانت المدعية، ويُطلب من الزوج إثبات الشقاق إن كان هو المدعي | مدى كفاية البينة المتاحة لاجتياز هذه المرحلة |
| الصلح القضائي | المادة (126) الفقرتان (أ) و(ب) | تبذل المحكمة جهدها في الإصلاح وتؤجل الدعوى مدة حدّد القانون أدناها، مع إنذار الزوج إن كانت الزوجة هي المدعية | موقف الموكل من الصلح وأثره على صورة الملف |
| تعيين الحكمين | المادة (126) الفقرة (ج) | حكمان عدلان قادران على الإصلاح، أحدهما من أهل الزوجة والآخر من أهل الزوج إن أمكن، وإلا فاثنان من ذوي الخبرة والعدالة | الوقائع التي ينبغي أن تصل إلى الحكمين كاملة |
| تحقيق الحكمين | المادة (126) الفقرة (د) | يبحث الحكمان أسباب الخلاف مع الزوجين أو مع من يريان فائدة في سماعه، ويدوّنان تحقيقاتهما بمحضر موقّع | ما تضمنه المحضر وما غاب عنه |
| اختلاف الحكمين | المادة (126) الفقرة (ح) | يحكّم القاضي غيرهما أو يضم إليهما ثالثاً مرجحاً، ويؤخذ عندئذ بقرار الأكثرية | أثر إعادة التحكيم على مسار الملف |
| التقرير والحكم | المادة (126) الفقرة (ط) والمادة (127) الفقرة (ب) | يرفع الحكمان تقريرهما، ويحكم القاضي بمقتضاه إذا كان موافقاً لأحكام المادة، ويتضمن الحكم الطلاق البائن | مدى موافقة التقرير لأحكام القانون |
ومرحلة الحكمين هي التي تحسم الدعوى، فالقاضي يحكم بمقتضى تقريرهما متى وافق أحكام المادة (126)، وما لم يُعرض عليهما في وقته قد لا يجد طريقه إلى الحكم بعد ذلك.
ثالثاً: كيف يوزّع الحكمان الإساءة وأثر ذلك على حقوق الزوجة المالية
إذا عجز الحكمان عن الإصلاح، انتقلا إلى تحديد مصدر الإساءة. وقد ربطت الفقرتان (هـ) و(و) من المادة (126) كل نتيجة يصلان إليها بأثر مالي محدد:
| ما ظهر للحكمين | ما يقررانه | الأثر على الحقوق المالية |
|---|---|---|
| الإساءة كلها من الزوج | التفريق بطلقة بائنة | للزوجة أن تطالب بغير المقبوض من مهرها وتوابعه وبنفقة عدتها |
| الإساءة كلها من الزوجة | التفريق على عوض يريانه | تلتزم الزوجة بعوض لا يزيد على المهر وتوابعه |
| الإساءة من الزوجين ونسبتها معلومة | التفريق على قسم من المهر | يُقسم المهر بنسبة إساءة كل منهما للآخر |
| الإساءة من الزوجين وتعذّر تقدير نسبتها | التفريق على عوض يريانه من أيهما | عوض لا يزيد على مقدار المهر وتوابعه، وقد يقع على أي من الطرفين |
وتضيف الفقرة (ز) حكماً له أثر مالي مباشر: إذا كانت الزوجة هي طالبة التفريق وقرر الحكمان عليها عوضاً، فعليها أن تؤمّن دفعه قبل قرار التفريق، ما لم يرضَ الزوج بتأجيله. أما إذا كان الزوج هو طالب التفريق وقرر الحكمان عوضاً على الزوجة، فيحكم القاضي بالتفريق والعوض وفق قرار الحكمين. فالدعوى التي ترفعها الزوجة طلباً للخلاص من الضرر قد تنتهي بالتزام مالي عليها يسبق حكم التفريق نفسه.
ولهذا يقدّر المحامي قبل تقديم الدعوى الموضع المحتمل للملف في هذا الجدول، لأن الدعوى التي تُرفع دون هذا التقدير قد تنتهي بعكس ما أراده رافعها.
ملاحظة عملية: لا توقّع على أي محضر صلح أو تسوية مالية أمام الحكمين قبل أن يراجعه محامٍ، فالمحضر هو أساس التقرير الذي يحكم القاضي بمقتضاه، وأثر ما يُقرّ به فيه يختلف من ملف إلى آخر، وتقديره يحتاج إلى دراسة الوقائع أو استشارة محامٍ مختص.
رابعاً: إثبات الشقاق والضرر
حددت الفقرة (أ) من المادة (127)، مع مراعاة الفقرة (أ) من المادة (126)، طريق الإثبات في هذه الدعوى: يثبت الشقاق والنزاع والضرر بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، ويكفي فيه الشهادة بالتسامع المبنية على الشهرة في نطاق حياة الزوجين.
وقبول الشهادة بالتسامع لا يعني أن كل ما يتداوله الأقارب يصلح بينة، فالنص قيّد الشهرة بنطاق حياة الزوجين. ويقيّم المحامي ما إذا كانت البينة المتاحة تفي بالنصاب الذي اشترطه القانون، وما إذا كانت الوقائع التي تشهد بها متصلة بصورة الضرر التي بُنيت عليها الدعوى. فالشهادة التي لا تتصل بالضرر المدعى به لا تخدم الملف.
خامساً: طبيعة حكم التفريق وما يترتب عليه
نصت الفقرة (ب) من المادة (127) على أن الحكم الصادر بالتفريق للنزاع والشقاق يتضمن الطلاق البائن. فلا يملك الزوج مراجعة زوجته بعده بإرادته المنفردة، وإنما يجوز عقد زواج جديد بينهما برضا الطرفين ولو أثناء العدة إذا كان الطلاق بائناً بطلقة واحدة أو بطلقتين، على ما قررته المادة (93).
وأوجبت المادة (151) على الزوج نفقة معتدته من طلاق أو فسخ، وصرّحت الفقرة (هـ) من المادة (126) بحق الزوجة في نفقة عدتها حين تكون الإساءة كلها من الزوج، أما أثر العوض على حقوقها في الحالات الأخرى فنقطة يدققها المحامي في تقرير الحكمين. وخلال نظر الدعوى تبقى للزوجة نفقة الزوجة أثناء النزاع وفق أحكامها، وقد عدّت المادة (62) إيذاء الزوج أو إساءة المعاشرة من المسوغات المشروعة لخروج الزوجة من المسكن.
ولا يحسم حكم التفريق مسألة حضانة الأولاد، فهي تخضع لأحكامها الخاصة ولمصلحة المحضون.
سادساً: الشقاق والنزاع وغيره من طرق إنهاء الزواج
لا تُعد دعوى الشقاق والنزاع الطريق الوحيد أمام الزوجة. فالتفريق للافتداء، الذي نظمته المادة (114)، يقوم على إقرار صريح من الزوجة ببغضها الحياة مع زوجها وافتدائها نفسها، ولا يتوقف على إثبات ضرر من الزوج، وقد عالجت تفاصيله مقالة دعوى الخلع (الافتداء). أما التعويض عن الطلاق التعسفي في المادة (155) فيقوم على طلاق يوقعه الزوج بإرادته لغير سبب معقول، بينما يصدر التفريق للشقاق بحكم القاضي بناءً على تقرير الحكمين.
ولكل مسار من هذه المسارات شروطه وأثره المالي المختلف. واختيار المسار الأنسب لوقائع ملف بعينه يحدده المحامي بعد دراسة الوقائع والبينات، لأن رفع الدعوى في المسار غير المناسب قد يكلّف الزوجة حقوقاً كانت ستحتفظ بها في مسار آخر.
سابعاً: أسئلة متكررة
هل يشترط وجود شهود في قضية الشقاق والنزاع؟
نعم، فقد حددت المادة (127) إثبات الشقاق والنزاع والضرر بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وأجازت الشهادة بالتسامع المبنية على الشهرة في نطاق حياة الزوجين. وتقدير كفاية البينة في ملف بعينه مسألة يدرسها المحامي قبل تقديم الدعوى.
ما هي مستحقات الزوجة في طلاق الشقاق في الأردن؟
تتحدد بحسب ما يقرره الحكمان من توزيع للإساءة. فإذا كانت الإساءة كلها من الزوج فلها المطالبة بغير المقبوض من مهرها وتوابعه ونفقة عدتها، وإذا كانت منها فقد تلتزم بعوض لا يزيد على المهر وتوابعه، وإذا كانت مشتركة قُسم المهر بنسبة إساءة كل منهما متى أمكن تقديرها.
كم تستغرق قضية الشقاق والنزاع في الأردن؟
لا يحدد القانون مدة كلية للدعوى. فهو يفرض تأجيلاً بحد أدنى لمحاولة الصلح، ثم تتوقف المدة على عمل الحكمين، وعلى ما إذا اختلفا واحتاج القاضي إلى تحكيم جديد أو إلى حكم ثالث مرجح، وعلى ظروف كل ملف.
كم عدد جلسات قضية الشقاق والنزاع؟
لا يحدد القانون عدداً ثابتاً للجلسات، إذ يتوقف على مرحلة الصلح وسير عمل الحكمين. ويستطيع المحامي تقدير المسار المتوقع بعد الاطلاع على الوقائع.
هل يستطيع الزوج رفع دعوى الشقاق والنزاع؟
نعم، فالمادة (126) أجازت لأي من الزوجين طلب التفريق. غير أن الزوج المدعي يُطلب منه إثبات وجود الشقاق والنزاع قبل إحالة الأمر إلى الحكمين، وقد يقرر الحكمان عوضاً على الزوجة إذا ظهر لهما أن الإساءة منها.
هل يجوز الرجوع بعد حكم التفريق للشقاق؟
الحكم يتضمن الطلاق البائن، فلا رجعة فيه بإرادة الزوج المنفردة، وإنما يجوز عقد زواج جديد برضا الطرفين إذا كانت البينونة بطلقة واحدة أو بطلقتين، وفق المادة (93).
استشارة قانونية
دعوى الشقاق والنزاع من أدق قضايا الأحوال الشخصية، فالزوجة التي تطلب التفريق قد تخرج مطالِبةً بما بقي من مهرها وبنفقة عدتها، أو ملزَمةً بعوض تدفعه لزوجها، والزوج الذي يرفعها أو يُدعى عليه قد يتحمل آثاراً مالية لم يحسب حسابها، والفاصل بين النتيجتين تقرير الحكمين. وما يغيب عن الحكمين في وقته يصعب استدراكه بعد رفع تقريرهما. وللحصول على استشارة متخصصة في قضايا الطلاق والتفريق أمام المحاكم الشرعية، أو للتعرف على المسارات المرتبطة بهذه الدعوى مثل التعويض عن الطلاق التعسفي وأثر التفريق على الحضانة وانتقالها إلى الأب، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة والاستشارات القانونية.