الوصية المكتوبة في أمريكا أو كندا والميراث في الأردن: ما تملكه الوصية الأجنبية وما يقرره القانون
يكتب كثير من المسلمين الأردنيين والعرب المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وصية هناك، ويطمئنون إلى أنها ستحسم مصير أموالهم كلها، ومنها شقة أو أرض في الأردن، ثم يكتشف الورثة بعد الوفاة أن هذه الوصية لا تحكم ما في الأردن على النحو الذي أراده صاحبها. فالقانون المدني الأردني رقم (43) لسنة 1976 يُخضع الميراث والوصية لقانون المتوفى وقت موته، وقانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (15) لسنة 2019 يحدد ما تنفذ فيه الوصية، وما يتوقف على إجازة الورثة، وما يُستحق بنص القانون أياً كان ما كُتب في الوصية. ولهذا فإن مراجعة محامٍ مختص بالقضايا الشرعية في الأردن للوصية الأمريكية أو الكندية، في حياة صاحبها، هي التي تكشف ما ستنفّذه هذه الوصية فعلاً في الأردن وما ستعجز عنه.
ويتناول هذا المقال نظام المحاكم الشرعية الذي يحكم وصايا المسلمين ومواريثهم، أما شؤون الأسرة لغير المسلمين فتتبع مجالس الطوائف الدينية الخاصة بهم، ولا يتناولها هذا المقال.
أولاً: أي قانون يحكم الوصية الأجنبية حين يكون المال في الأردن
تبدأ المسألة من قواعد الإسناد في القانون المدني الأردني، فالمادة (18) تقرر أن الميراث والوصية وسائر التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت يسري عليها قانون المورث أو الموصي وقت موته. والمادة (26) تحسم وضع من يحمل جنسيتين: الشخص الذي تثبت له الجنسية الأردنية وجنسية دولة أجنبية في وقت واحد يُطبَّق عليه القانون الأردني. والنتيجة أن الأردني الذي اكتسب الجنسية الأمريكية أو الكندية واحتفظ بجنسيته الأردنية تخضع وصيته وميراثه، من حيث المضمون، للقانون الأردني فيما يُعرض على القضاء الأردني من أمواله في الأردن.
ويضيف القانون المدني قاعدتين لهما أثر مباشر في هذه الملفات. الأولى أن الحيازة والملكية والحقوق العينية الأخرى يسري عليها قانون موقع العقار (م19)، فالأرض أو الشقة الكائنة في الأردن تحكم ملكيتها وانتقالها القواعد الأردنية. والثانية أن أحكام القانون الأجنبي الذي تعيّنه قواعد الإسناد لا تُطبَّق إذا خالفت النظام العام أو الآداب في المملكة (م29).
أما من لا يحمل إلا جنسية أجنبية، كالعربي الأمريكي أو الكندي من أصل غير أردني الذي يملك عقاراً في الأردن، فتتشابك في ملفه قواعد الإسناد مع اختصاص المحاكم الشرعية وقيد النظام العام، وتحديد القانون الواجب التطبيق على تركته هو نفسه سؤال قانوني يستحق استشارة قبل أن يُبنى عليه أي تخطيط.
ويلاحظ المحامي كذلك توقيت الوفاة، فالمادة (327) من قانون الأحوال الشخصية تنص على أن أحكامه لا تسري على حوادث الوفاة السابقة على نفاذه، وأن هذه الحوادث تحكمها التشريعات النافذة وقت الوفاة.
ثانياً: الوصية في القانون الأردني تصرف مضاف إلى ما بعد الموت
تعرّف المادة (254) من قانون الأحوال الشخصية الوصية بأنها تصرف بالتركة مضاف إلى ما بعد موت الموصي. وتنعقد بالعبارة إن كان الموصي قادراً عليها، وإلا فبالكتابة، فإن عجز عنهما انعقدت بالإشارة المعلومة (م256). ولا تلزم إلا بقبول الموصى له صراحة أو دلالة بعد وفاة الموصي (م257). ولا تصح إلا مضافة إلى ما بعد الموت، ويجوز تعليقها على شرط (م266).
ويتوقف المحامي في هذا الباب عند المادة (255)، التي تُلحق بالوصية التصرفات التي تصدر في مرض الموت بقصد التبرع والمحاباة، وتُخضعها لأحكامها. فالتنازل عن عقار أو تحويل مبلغ كبير لأحد الأبناء في الأيام الأخيرة من حياة المورث قد يُعامل معاملة الوصية، فيخضع لحد الثلث ولإجازة الورثة. وقد لا يعلم الورثة المقيمون في الخارج بهذه التصرفات إلا بعد الوفاة، حين تكون إدارة التركة قد بدأت في الأردن، فيصبح الطعن فيها جزءاً من نزاع على التركة كلها.
ثالثاً: حد الثلث والوصية لوارث: حيث تختلف الوصية الأمريكية عن القانون الأردني
قد يكتب الموصي وصيته في الولايات المتحدة أو كندا على افتراض أنه يوزع ماله كما يشاء. أما المادة (274) من قانون الأحوال الشخصية فتضع ثلاثة أحكام تقلب هذا الافتراض:
- تصح الوصية مع اختلاف الدين أو الجنسية (م274/أ).
- تنفذ الوصية في حدود ثلث التركة لغير الوارث، وما زاد على الثلث لا تنفذ فيه الوصية إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي (م274/ب).
- لا تنفذ الوصية للوارث إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي (م274/ج).
ويترتب على ذلك أن الوصية التي تترك المال كله للزوجة، أو تساوي بين الأبناء والبنات، أو تخص أحد الأبناء بالبيت، تُعد وصية لورثة، لا تنفذ في الأردن إلا إذا أجازها الورثة بعد الوفاة. والنص يربط الإجازة بما بعد وفاة الموصي، فالموافقة التي يبديها الأبناء في حياة أبيهم لا تحسم المسألة بحسب ظاهره. أما أثر الإجازة إذا أجازها بعض الورثة وامتنع آخرون فنقطة يقدّرها المحامي في ضوء وقائع الملف، وما لا ينفذ من الوصية يُوزَّع وفق أحكام الإرث، وقد يعود العقار معه مملوكاً على الشيوع بين الورثة.
ولهذا يسأل المحامي، إلى جانب صحة الوصية شكلاً، عن صفة كل موصى له: هل هو وارث أم غير وارث، وهل يتجاوز ما أوصي له به الثلث، ومن من الورثة يُحتمل أن يمتنع عن الإجازة.
رابعاً: اختلاف الدين: الزوجة غير المسلمة وحدود الوصية لها
تنص المادة (281/ب) على أنه لا توارث مع اختلاف الدين، فلا يرث غير المسلم المسلم. وتمس هذه القاعدة مباشرة الأسرة المقيمة في أمريكا أو كندا التي يكون فيها الزوج مسلماً والزوجة كتابية. فالزوجة غير المسلمة لا ترث زوجها المسلم بموجب قانون الأحوال الشخصية، وقد تعتمد الأسرة كلها على وصية أمريكية أو كندية تجعلها الوارثة الوحيدة.
غير أن الوصية لها جائزة، لأن الوصية تصح مع اختلاف الدين (م274/أ)، والزوجة في هذه الحالة ليست وارثة، فتنفذ الوصية لها في حدود الثلث، وما زاد يتوقف على إجازة الورثة بعد الوفاة. والفرق بين ما أراده الزوج وما ستحصل عليه زوجته فعلاً قد يكون كبيراً، وتقدير هذا الفرق في ضوء تركيبة الورثة وموقع الأموال هو ما يدرسه المحامي في كل ملف على حدة.
خامساً: الوصية الواجبة: حق للأحفاد لا تلغيه الوصية الأجنبية
تقرر المادة (279) أنه إذا توفي شخص وله أولاد ابن مات قبله أو معه، وجب لهؤلاء الأحفاد في ثلث تركته وصية بالمقدار والشروط التي حددتها المادة، على ألا تتجاوز ثلث التركة. ولا يستحقها الأحفاد إن كان جدهم قد أوصى لهم أو أعطاهم في حياته بلا عوض مقدار ما يستحقونه، فإن أعطاهم أقل وجبت التكملة (م279/ج). وتنص الفقرة (هـ) من المادة نفسها على أن الوصية الواجبة مقدمة على الوصايا الاختيارية في الاستيفاء من ثلث التركة.
فالموصي الذي خصص في وصيته الأمريكية ثلث ماله لمسجد أو جمعية خيرية أو صديق، وله أحفاد من ابن متوفى، قد تتقلص وصيته لأن الوصية الواجبة تُستوفى قبلها من الثلث نفسه. وتختلف النتيجة بحسب تركيبة الورثة وما سبق أن قدّمه الجد للأحفاد، وهي نقطة يحسمها المحامي بعد الاطلاع على الملف.
سادساً: إثبات الوصية الأجنبية والرجوع عنها
لا تكفي صحة الوصية في بلدها لضمان العمل بها في الأردن. فالمادة (18/2) من القانون المدني تُخضع شكل الوصية لقانون الموصي وقت الإيصاء أو لقانون البلد الذي تمت فيه، وهذا يفتح الباب لقبول شكل وصية كُتبت وفق إجراءات البلد الذي كُتبت فيه. لكن المادة (268) من قانون الأحوال الشخصية تقرر أنه لا تُسمع عند الإنكار دعوى الوصية أو الرجوع عنها بعد وفاة الموصي إلا إذا وُجدت أوراق رسمية بذلك. فإذا أنكر أحد الورثة الوصية، صار السؤال عما إذا كانت الورقة الأمريكية أو الكندية أوراقاً رسمية بالمعنى الذي يقبله القضاء الأردني سؤالاً حاسماً، يدرسه المحامي في ضوء طريقة توثيق الوصية وتصديقها.
ويثير الرجوع عن الوصية مسألة مماثلة. فالمادة (258) تجيز للموصي الرجوع عن الوصية كلها أو بعضها، على أن يكون الرجوع صريحاً ومسجلاً لدى جهة رسمية. ومن كتب وصية في الأردن قبل سفره، ثم كتب في أمريكا أو كندا وصية جديدة تنص على إلغاء كل الوصايا السابقة، قد يترك لورثته وصيتين متعارضتين، يتوقف الترجيح بينهما على مدى استيفاء الرجوع لشروط هذا النص.
والقواعد الأردنية في هذا كله واحدة، سواء أكان الموصي يقيم في الولايات المتحدة أم في كندا. أما الوصية وسائر المستندات التي تُنظَّم هناك فتحتاج إلى تصديق قبل أن تقبلها أي جهة أردنية، ويتحقق المحامي من ذلك وفق التعليمات النافذة، وهي مسألة يعرضها مقال الوكالة من أمريكا وكندا للاستعمال في الأردن.
ملاحظة عملية: قد تُكتب الوصية الأمريكية أو الكندية بصيغة تفترض حرية كاملة في التوزيع، وقد تصدر عن محكمة هناك قرارات تتعلق بالتركة. وأثر قرار المحكمة الأجنبية في الأردن مسألة مستقلة تتصل بأحكام تنفيذ الأحكام الأجنبية في الأردن والنظام العام، ولا يُفترض أن يكون تلقائياً. ويراجع المحامي صيغة الوصية وطريقة توثيقها ووضع الأموال في الأردن قبل الاعتماد عليها، لأن هذه العناصر تختلف من ملف إلى آخر، وتستحق مراجعة الحالة أو استشارة محامٍ مختص.
سابعاً: ما تملكه الوصية الأجنبية وما يقرره القانون الأردني
يقارن الجدول التالي ما قد يتوقعه الموصي من وصيته الأمريكية أو الكندية بما تقرره النصوص الأردنية:
| المسألة | ما قد يتوقعه الموصي من وصيته الأجنبية | ما يقرره القانون الأردني | السند |
|---|---|---|---|
| القانون الذي يحكم المضمون | قانون البلد الذي كُتبت فيه الوصية | قانون الموصي وقت موته، والقانون الأردني لمن يحمل الجنسية الأردنية مع جنسية أجنبية | القانون المدني م18/1 وم26 |
| شكل الوصية | صحيحة لأنها كُتبت وفق إجراءات البلد | قد يُقبل شكلها وفق قانون الموصي وقت الإيصاء أو قانون البلد الذي تمت فيه | القانون المدني م18/2 |
| إثباتها عند إنكار أحد الورثة | تكفي الورقة الموقعة | لا تُسمع دعوى الوصية عند الإنكار إلا بأوراق رسمية | الأحوال الشخصية م268 |
| الوصية لغير وارث | تنفذ بكامل ما أوصي به | تنفذ في حدود الثلث، وما زاد يتوقف على إجازة الورثة بعد الوفاة | الأحوال الشخصية م274/ب |
| الوصية لوارث (الزوجة، أحد الأبناء، المساواة بين الأبناء والبنات) | تنفذ كما كُتبت | لا تنفذ إلا إذا أجازها الورثة بعد الوفاة | الأحوال الشخصية م274/ج |
| الزوجة غير المسلمة | ترث بموجب الوصية | لا ترث لاختلاف الدين، وتصح الوصية لها في حدود الثلث | الأحوال الشخصية م281/ب وم274/أ |
| أحفاد الابن المتوفى | لا شيء لهم إن لم تذكرهم الوصية | وصية واجبة في حدود الثلث، مقدمة على الوصايا الاختيارية | الأحوال الشخصية م279 |
| إلغاء وصية سابقة كُتبت في الأردن | يكفي نص الإلغاء في الوصية الجديدة | الرجوع يجب أن يكون صريحاً ومسجلاً لدى جهة رسمية | الأحوال الشخصية م258 |
| العقار الكائن في الأردن | ينتقل كما تحدد الوصية | ملكيته والحقوق العينية عليه يحكمها قانون موقع العقار | القانون المدني م19 |
خلاصة الجدول أن الوصية الأجنبية تنفذ داخل الحدود التي يرسمها القانون الأردني، وما يبقى منها في ملف بعينه يقدّره المحامي من صفات الورثة والموصى لهم وموقع الأموال.
ثامناً: أسئلة متكررة
هل تُنفَّذ الوصية الأمريكية على عقار في الأردن؟
تنفذ في الحدود التي يقررها القانون الأردني. فالمضمون يحكمه قانون الموصي وقت موته، وهو القانون الأردني لمن يحمل الجنسية الأردنية ولو حمل معها جنسية أجنبية (م18 وم26 من القانون المدني)، وملكية العقار يحكمها قانون موقعه (م19). وما يخالف حد الثلث أو يمنح وارثاً أكثر من حصته يتوقف على إجازة الورثة.
هل تجوز الوصية بكل المال للزوجة؟
الزوجة المسلمة وارثة، فالوصية لها لا تنفذ إلا إذا أجازها الورثة بعد الوفاة (م274/ج). والزوجة غير المسلمة لا ترث لاختلاف الدين (م281/ب)، لكن الوصية لها تصح في حدود الثلث، وما زاد يتوقف على الإجازة (م274).
هل يمكن المساواة بين الأبناء والبنات بالوصية؟
الوصية التي تغيّر حصص الورثة هي وصية لوارث، فلا تنفذ إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي (م274/ج). وما إذا كانت هناك وسائل مشروعة أخرى تناسب وضع الأسرة مسألة يقدّرها المحامي بعد دراسة الأموال والورثة، مع مراعاة أن التبرع في مرض الموت يأخذ حكم الوصية (م255).
ما الوصية الواجبة ومن يستحقها؟
هي وصية يقررها القانون لأولاد الابن الذي توفي قبل أبيه أو معه، وتشمل أولاد ابن الابن وإن نزل (م279/د)، في حدود ثلث التركة، ولا يستحقها الأحفاد إن كان جدهم قد أوصى لهم أو أعطاهم في حياته بلا عوض مقدار ما يستحقونه، فإن أعطاهم أقل وجبت التكملة (م279/ج)، وتُقدَّم على الوصايا الاختيارية في الاستيفاء من الثلث (م279).
هل تلغي الوصية الأمريكية وصية سابقة كُتبت في الأردن؟
يشترط القانون أن يكون الرجوع عن الوصية صريحاً ومسجلاً لدى جهة رسمية (م258)، ولا تُسمع دعوى الرجوع عند الإنكار بعد الوفاة إلا بأوراق رسمية (م268). ومدى استيفاء نص الإلغاء في الوصية الأجنبية لهذه الشروط يدرسه المحامي في ضوء طريقة توثيقها.
استشارة قانونية
الوصية التي تُكتب في أمريكا أو كندا لتشمل أموالاً في الأردن من أدق ملفات الأحوال الشخصية، فمن جهة الموصي قد تنتهي إرادته إلى توزيع لم يقصده، ومن جهة الورثة قد يجدون أنفسهم بين وصية لا تنفذ كاملة وعقار يعود مملوكاً على الشيوع بينهم. وما لا يُعالج في حياة الموصي يصعب تداركه بعد وفاته، حين يتوقف تنفيذ الوصية على إجازة الورثة. وللحصول على استشارة قانونية في القضايا الشرعية والمواريث، أو للاطلاع على المسائل القانونية في الأردن للمقيمين في أمريكا وكندا وعلى ما يواجهه الورثة في إزالة الشيوع في القانون الأردني، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة والاستشارات القانونية.