تسجيل الزواج المعقود في أمريكا أو كندا في الأردن وآثاره
عقد زواج صادر عن ولاية في أمريكا أو مقاطعة في كندا قد يكون صحيحاً نافذاً هناك، ويبقى مع ذلك غائباً عن السجلات الأردنية إلى أن يُسجَّل في الأردن، فلا يظهر في دفتر العائلة، ولا يُبنى عليه تسجيل الأولاد، ولا تقبله الجهات الأردنية قبل تصديقه. ويحكم المسألة قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (15) لسنة 2019، الذي جعل توثيق عقد الزواج بوثيقة رسمية هو الأصل وأسند في المادة (36) إلى القناصل الأردنيين المسلمين توثيق زواج الأردنيين خارج المملكة، إلى جانب القانون المدني رقم (43) لسنة 1976 الذي يُخضع الزواج للقانون الأردني وحده في المادة (15) متى كان أحد الزوجين أردنياً وقت انعقاده، فيما عدا شرط الأهلية. ولأن الحكم على عقد أُبرم أمام سلطة مدنية أجنبية يتوقف على طريقة انعقاده وجنسية الزوجين ودينهما، فإن دراسة محامٍ مختص بالقضايا الشرعية للعقد، قبل تقديم أي ورقة في الأردن، هي التي تحدد إن كان سيُعتمد كما هو أم يحتاج إلى مسار آخر.
ويتناول هذا المقال نظام المحاكم الشرعية الذي يحكم زواج المسلمين، أما مسائل الأسرة لغير المسلمين فتتبع مجالس الطوائف الدينية الخاصة بهم، ولا يتناولها هذا المقال.
أولاً: لماذا لا يكفي العقد الأمريكي أو الكندي وحده في الأردن
يقرر قانون الأحوال الشخصية في المادة (36/ب) أن القاضي أو من يأذن له يوثّق عقد الزواج بوثيقة رسمية، ويضع للأردنيين المقيمين في الخارج طريقاً موازياً في الفقرة (ز) من المادة نفسها: يتولى قناصل المملكة الأردنية الهاشمية المسلمون توثيق عقود زواج الرعايا الأردنيين خارج المملكة، ويسجلونها في سجلاتهم، ويرسلون نسخة منها إلى دائرة قاضي القضاة. فالزواج الذي جرى أمام موظف مدني في ولاية أمريكية أو مقاطعة كندية يقع خارج هذين الطريقين، ويصل إلى السجلات الأردنية عبر اعتماد وثيقته الأجنبية، إذ تقدم دائرة الأحوال المدنية والجوازات خدمة تسجيل واقعة الزواج في مكاتبها وعبر السفارات والقنصليات الأردنية في الخارج، ويشترط دليل خدماتها أن تكون شهادة الزواج أو عقده المبرم خارج البلاد مصدقاً حسب الأصول، ويضع شروطاً إضافية لبعض العقود، كالعقود الصادرة عن المراكز الإسلامية. والوثائق الصادرة في الولايات المتحدة أو كندا تحتاج إلى تصديق قبل أن تقبلها أي جهة أردنية، ويتحقق المحامي من استيفائه وفق التعليمات النافذة، ويعرض مقال الوكالة من أمريكا وكندا للاستعمال في الأردن جهات هذا التصديق في البلدين. والتصديق يثبت أن الوثيقة صادرة عن جهة مختصة، ولا يحسم وحده صحة الزواج في القانون الأردني.
ويضيف القانون المدني طبقة ثانية. فالمادة (13) ترجع في الشروط الموضوعية لصحة الزواج إلى قانون كل من الزوجين، وتعتبر الزواج بين أجنبيين، أو بين أجنبي وأردني، صحيحاً من حيث الشكل إذا عُقد وفق أوضاع البلد الذي تم فيه، أو روعيت فيه الأوضاع التي يقررها قانون كل من الزوجين. ثم تأتي المادة (15) لتقرر أنه إذا كان أحد الزوجين أردنياً وقت انعقاد الزواج سرى القانون الأردني وحده، فيما عدا شرط الأهلية للزواج. ومؤدى ذلك أن المادة (15) تُخضع زواج الأردني للقانون الأردني، لا لقانون الولاية أو المقاطعة التي تم فيها. أما حدود أثر المادة (15) على شكل عقد أُبرم أمام سلطة مدنية أجنبية، وعلى زواج طرفاه أردنيان كلاهما، فمسألة يقدّرها المحامي في ضوء وقائع كل عقد.
ثانياً: كيف يتعامل القانون الأردني مع أنواع الزواج المعقود في الخارج
يتغير حكم الزواج المعقود في الخارج في القانون الأردني بحسب الجهة التي وثّقت العقد، وبحسب دين الزوجين، وبحسب توافر شروط الانعقاد التي يتطلبها قانون الأحوال الشخصية:
| نوع الزواج المعقود في الخارج | السند في القانون الأردني | ما يدرسه المحامي | ما يتوقف على نتيجة الدراسة |
|---|---|---|---|
| عقد وثّقه قنصل أردني مسلم | المادة (36/ز) من قانون الأحوال الشخصية | قيد العقد في سجلات القنصلية وإرسال نسخته إلى دائرة قاضي القضاة | اعتماد الزواج في السجلات الأردنية |
| عقد إسلامي إلى جانب شهادة زواج مدنية أمريكية أو كندية | المواد (5) و(7) و(8) | الإيجاب والقبول وأوصاف الشاهدين، وتصديق الوثيقة | ترتيب آثار العقد الصحيح منذ انعقاده (م32) |
| زواج مدني فقط أمام موظف حكومي | المادتان (8) و(31/هـ)، والمادتان (13) و(15) من القانون المدني | مدى استيفاء الشكل المدني لشرط الشهادة في المادة (8) | وصف العقد، وما يتبعه من نفقة وإرث (م32 وم34) |
| زواج مسلم من كتابية | المادتان (8/ب) و(281/ب) | شهادة أهل الكتاب على العقد، واختلاف دين الزوجين | التوارث بين الزوجين (م281/ب) |
| زواج مسلمة من غير مسلم، أو مسلم من غير كتابية | المادتان (28) و(30/أ) | دين كل من الزوجين وقت العقد | قيام العقد أصلاً وآثاره (م33) |
خلاصة الجدول أن شهادة الزواج المدنية دليل على واقعة الزواج في بلد إبرامه، لكنها لا تثبت وحدها أن الزواج انعقد صحيحاً وفق قانون الأحوال الشخصية الأردني، فهذا التقييم يُبنى على تفاصيل لا تظهر في الشهادة نفسها، كهوية الشهود ودين كل من الزوجين، ويجريه المحامي على أوراق كل عقد.
ثالثاً: الزواج المدني وشروط الانعقاد في قانون الأحوال الشخصية
ينعقد الزواج في القانون الأردني بإيجاب من أحد الخاطبين أو وكيله وقبول من الآخر أو وكيله في مجلس العقد (م5)، بالألفاظ الصريحة كالإنكاح والتزويج (م7). وتشترط المادة (8/أ) لصحة العقد حضور شاهدين رجلين، أو رجل وامرأتين، من المسلمين إذا كان الزوجان مسلمين، عاقلين بالغين سامعين الإيجاب والقبول فاهمين المقصود بهما، وتجيز الفقرة (ب) شهادة أهل الكتاب على عقد زواج المسلم من كتابية.
والمراسم المدنية في الولايات المتحدة وكندا تتبع قواعد كل ولاية أو مقاطعة، وقد تختلف عن هذه الشروط. والمادة (31/هـ) تصف الزواج بلا شهود، أو بشهود غير حائزين للأوصاف المطلوبة شرعاً، بأنه زواج فاسد. أما استيفاء الشكل المدني الأجنبي لشرط الشهادة في المادة (8)، في ضوء المادة (13) من القانون المدني التي تعتد في الشكل بأوضاع البلد الذي تم فيه الزواج والمادة (15) التي تُخضع زواج الأردني للقانون الأردني وحده، فمسألة يحسمها المحامي بعد دراسة العقد، ولا تُستخلص من الشهادة وحدها. ويختلف أثر الوصفين في الحقوق كلها، فالعقد الصحيح يرتب آثاره منذ انعقاده (م32)، أما الفاسد فلا يرتب أثراً إذا لم يقع به دخول، وإذا وقع به دخول لزم به المهر والعدة وثبت به النسب وحرمة المصاهرة، دون بقية الأحكام كالإرث والنفقة (م34). فإذا وُصف العقد بالفاسد، فقد تجد الزوجة نفسها بلا نفقة، وقد يخرج الزوج الباقي من الميراث بعد وفاة شريكه.
ولهذا يبدأ المحامي بالسؤال عن تفاصيل يوم العقد قبل أي أوراق: من حضر، وكيف صيغ الإيجاب والقبول، وهل أُبرم عقد إسلامي إلى جانب المدني. وتحديد المسار المناسب بعد ذلك، سواء كان اعتماد الوثيقة الأجنبية بعد تصديقها أو عرض الزواج على المحكمة الشرعية لإثباته، يختلف بحسب نوع العقد وجنسية الزوجين ودياناتهما، وهو نفسه نقطة قانونية تستحق استشارة. ويعرض مقال إثبات الزواج في القانون الأردني ودعوى ثبوت الزوجية الطريق القضائي حين لا تكفي الوثيقة.
رابعاً: الزواج من غير أردني، واختلاف الدين
يكثر في الولايات المتحدة وكندا زواج الأردني أو الأردنية من شريك يحمل جنسية أخرى أو ديناً آخر، وهنا يزداد الملف دقة. فالمادة (28) تحرّم بصورة مؤقتة زواج المسلم بامرأة غير كتابية وزواج المسلمة بغير المسلم، والمادة (30/أ) تجعل هذين العقدين باطلين، والمادة (33) تقرر أن العقد الباطل لا يفيد حكماً أصلاً ولا يرتب أثراً من نفقة أو نسب أو عدة أو إرث، سواء تم به دخول أم لم يتم. فالعقد المدني الصحيح في ولاية أمريكية قد يكون في نظر القانون الأردني عقداً لم ينشأ أصلاً. أما نسب الأولاد فينظمه القانون بطرق متعددة لا تقتصر على فراش الزوجية (م157)، ويدرسها المحامي في كل ملف على حدة.
وزواج المسلم من كتابية يعترف به القانون، فيجيز شهادة أهل الكتاب على عقده (م8/ب)، وتجب فيه النفقة للزوجة ولو مع اختلاف الدين من حين العقد الصحيح (م60)، لكن المادة (281/ب) تقرر أنه لا توارث مع اختلاف الدين. ودين كل من الزوجين وقت العقد، وما يثبته من وثائق، من النقاط التي يدرسها المحامي قبل أي معاملة.
خامساً: ما الذي يتعطل حين يبقى الزواج غير مسجل في الأردن
يترتب على بقاء الزواج غير مسجل في الأردن أثر في كل من الجوانب التالية:
- دفتر العائلة: يوجب القانون رقم (18) لسنة 2015 المعدل لقانون الأحوال المدنية على الأردني المتزوج طلب دفتر العائلة لأول مرة خلال مدة محددة من تاريخ عقد الزواج، ويرتب غرامة على التأخير.
- تسجيل الأولاد: ترتبط إضافة الأولاد إلى دفتر العائلة وإصدار أرقامهم الوطنية بالدفتر نفسه، فيتأثر قيد الطفل بقيد زواج والديه.
- النسب: يثبت نسب المولود لأبيه بفراش الزوجية أو بالإقرار أو بالبينة (م157)، والفراش يفترض زواجاً ثابتاً.
- النفقة: تجب نفقة الزوجة من حين العقد الصحيح (م60)، والمطالبة بها أمام المحكمة الشرعية تفترض زواجاً ثابتاً أمامها.
- الإرث: لا يرتب العقد الفاسد التوارث بين الزوجين (م34)، ولا يرتب الباطل أي أثر (م33)، أما العقد الصحيح فترتب آثاره منذ انعقاده (م32).
وهذه المسألة جزء من صورة أوسع لكل ملف أردني يُدار من الخارج، يعرضها مقال محامي في الأردن للمقيمين في أمريكا وكندا.
ملاحظة عملية: تصدر كل سفارة أردنية تعليماتها الخاصة بتصديق شهادات الزواج وصرف دفتر العائلة، وقد تتغير هذه التعليمات من وقت إلى آخر، ويراجع المحامي النسخة النافذة منها عند دراسة الملف. ولا تُرسَل شهادة الزواج الأصلية أو أي إقرار موقّع إلى أي جهة قبل التحقق من أن العقد نفسه سيصمد أمام شروط قانون الأحوال الشخصية، فهذه نقطة تختلف من عقد إلى آخر وتستحق مراجعة الحالة أو استشارة محامٍ مختص.
سادساً: أسئلة متكررة
هل يعترف الأردن بالزواج المدني الذي تم في أمريكا؟
تسجل دائرة الأحوال المدنية والجوازات واقعة الزواج الذي تم خارج البلاد متى كانت شهادته أو عقده مصدقاً حسب الأصول، لكن صحة الزواج نفسه يحكمها القانون الأردني وحده متى كان أحد الزوجين أردنياً وقت العقد، فيما عدا شرط الأهلية (م15 من القانون المدني). واستيفاء الشكل المدني لشروط الانعقاد والشهادة في قانون الأحوال الشخصية مسألة يحسمها المحامي بعد دراسة العقد، وعليها يتوقف وصفه وآثاره.
هل يجب تسجيل الزواج المعقود في كندا أو الولايات المتحدة في الأردن؟
يوجب القانون رقم (18) لسنة 2015 المعدل لقانون الأحوال المدنية على الأردني المتزوج طلب دفتر العائلة خلال مدة محددة من تاريخ العقد، ويرتب غرامة على التأخير. وعدم التسجيل يترك الأولاد والحقوق المالية دون سند في السجلات الأردنية.
ماذا يحدث لأولاد زواج لم يُسجَّل في الأردن؟
ترتبط إضافة الأولاد إلى دفتر العائلة وإصدار أرقامهم الوطنية بالدفتر نفسه، فيتأثر تسجيلهم إلى أن يُستكمل قيد الزواج. أما النسب فيثبت لأبيه بفراش الزوجية أو بالإقرار أو بالبينة (م157)، وتقدير الطريق الأنسب يتوقف على وضع الزواج نفسه.
هل زواج المسلم من مسيحية في أمريكا صحيح في الأردن؟
يعترف قانون الأحوال الشخصية بزواج المسلم من كتابية، فيجيز شهادة أهل الكتاب على عقده (م8/ب)، وتجب فيه النفقة للزوجة (م60). لكن لا توارث مع اختلاف الدين (م281/ب)، وهو أثر يحتاج إلى دراسة إذا كانت للزوج أموال في الأردن.
هل زواج الأردنية المسلمة من غير مسلم في الخارج معترف به؟
تجعل المادة (30/أ) زواج المسلمة بغير المسلم باطلاً، والعقد الباطل لا يرتب نفقة ولا نسباً ولا عدة ولا إرثاً (م33). أما نسب الأولاد فينظمه القانون بطرق متعددة (م157)، ودين كل من الزوجين وقت العقد وما يثبته من وثائق مسألة يدرسها المحامي على أوراق الملف.
هل يمكن تسجيل الزواج دون السفر إلى الأردن؟
أسند القانون إلى القناصل الأردنيين المسلمين توثيق عقود زواج الأردنيين في الخارج (م36/ز)، وتصدر كل سفارة أردنية تعليماتها الخاصة بدفتر العائلة وتصديق الوثائق، ويتحقق المحامي منها. أما إذا احتاج الملف إلى المحكمة الشرعية، كإثبات زواج لم تكفِ وثيقته، فيدرس المحامي إمكان السير فيه دون حضور الزوجين.
استشارة قانونية
تسجيل زواج عُقد في الولايات المتحدة أو كندا يحسم مصير حقوق لا تظهر آثارها إلا لاحقاً: فمن جهة زوجة وأولاد تتوقف نفقتهم ونسبهم وقيدهم المدني على قيام الزواج في السجلات الأردنية، ومن جهة زوج أو ورثة قد تُبنى في مواجهتهم مطالبات على عقد يختلف وصفه في القانون الأردني عن وصفه في بلد إبرامه. وما يُقدَّم أولاً من أوراق وإقرارات يصعب تداركه إذا تبين أن العقد فاسد أو باطل في نظر قانون الأحوال الشخصية. وللحصول على استشارة قانونية متخصصة في قضايا الزواج والقضايا الشرعية، أو للاطلاع على الصلة بين هذا الملف وأحكام دعوى إثبات النسب في القانون الأردني ونفقة الزوجة في القانون الأردني، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة والاستشارات القانونية.