حصر الإرث للورثة المقيمين في أمريكا وكندا: التخارج والوكالة وحماية الحصة
حين يتوفى أحد الوالدين في الأردن، يجد الوارث المقيم في أمريكا أو كندا نفسه أمام قرارات مالية تُطلب منه عن بعد: وكالة يطلبها أحد الإخوة لـ«تسيير المعاملات»، أو تخارج يُعرض عليه مقابل مبلغ، أو تركة تبقى معلقة لأن أحداً في الأردن لا يملك صفة التصرف فيها. وينظم قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (15) لسنة 2019 أحكام الإرث، ويفرد للتخارج بين الورثة المواد من (314) إلى (319)، فيما يجعل قانون أصول المحاكمات الشرعية رقم (31) لسنة 1959 وتعديلاته النظر في الوراثة وتعيين الحصص الإرثية والتخارج من اختصاص المحاكم الشرعية. وما يوقّعه الوارث من الخارج قد يُخرجه من التركة بصورة يصعب الرجوع عنها، ولهذا تُدرس كل خطوة قبل التوقيع مع محامٍ مختص بقضايا الإرث يتابع الملف في الأردن.
أولاً: حجة حصر الإرث: الوثيقة التي تبدأ بها التركة
حجة حصر الإرث هي الوثيقة التي تحدد ورثة المتوفى وحصة كل منهم، وعليها تُبنى المعاملات اللاحقة في التركة: التخارج، ونقل العقارات إلى أسماء الورثة، والقسمة أو البيع. ويجعل قانون أصول المحاكمات الشرعية للمحاكم الشرعية النظر في الوراثة وتعيين حصص الوارثين الشرعية والانتقالية، وفي التخارج من التركة كلها أو بعضها في الأموال المنقولة وغير المنقولة. والأصل أن تعيّن الحصص الإرثية محكمةُ محل إقامة المتوفى، ويجيز القانون للمحكمة التي يقيم فيها بعض الورثة أن تتولى ذلك إذا كان محل إقامة المتوفى خارج حدود المملكة، وهي حالة تتكرر حين يتوفى الوالد في أمريكا أو كندا وتبقى أمواله في الأردن.
ويتناول هذا المقال نظام المحاكم الشرعية للمسلمين، أما مسائل الأسرة لغير المسلمين فتتبع مجالس الطوائف الدينية الخاصة بهم، ولا يتناولها هذا المقال.
ومن أول ما يدققه المحامي القانونُ الواجب التطبيق نفسه، إذ تقرر المادة (327) من قانون الأحوال الشخصية أن أحكامه لا تسري على حوادث الوفاة السابقة على تاريخ نفاذه، وتسري عليها التشريعات النافذة وقت الوفاة. فالتركة التي بقيت دون حصر منذ سنوات قد تخضع لنص غير النص الحالي. ويدقق المحامي كذلك اكتمال أسماء الورثة وصحة الحصص قبل أن تُبنى عليها أي معاملة، لأن تصحيح الخطأ في الحجة قد يحتاج إلى دعوى تصحيح إرث أمام المحكمة الشرعية، ويوجب القانون تدخل النيابة العامة الشرعية في دعاوى تصحيح الإرث والتخارج إذا كان بين الورثة قاصرون.
ثانياً: مراحل التركة والجهة المختصة بكل مرحلة
يمر ملف التركة في الأردن بعدة جهات، ولكل مرحلة موضع خطأ خاص بها. ويلخص الجدول التالي هذه المراحل كما تبدو للوارث المقيم في الخارج:
| المرحلة | الجهة الأردنية المعنية | موضع الخطأ |
|---|---|---|
| حجة حصر الإرث | المحكمة الشرعية لمحل إقامة المتوفى، أو محكمة إقامة بعض الورثة إذا كان المتوفى مقيماً خارج المملكة | إغفال وارث أو خطأ في الحصص، قد يحتاج تصحيحه إلى دعوى تصحيح إرث |
| الوكالة الصادرة من أمريكا أو كندا | المحكمة أو الدائرة التي تُستعمل الوكالة أمامها في الأردن، بعد تصديقها | وكالة أوسع من حاجة التركة، قد تصل إلى التخارج أو التصرف في الحصة |
| التخارج | المحكمة الشرعية | التنازل عن الحصة ببدل لا يعكس قيمة التركة، مع أن التخارج يقبل الإقالة بالتراضي (م317) |
| انتقال العقارات إلى الورثة | مديرية التسجيل في دائرة الأراضي والمساحة | عقار ورثه المتوفى نفسه عن غيره ولم تُجرَ عليه معاملة الانتقال باسمه، فلا يسري عليه التخارج ما لم تنص حجته على ذلك صراحة (م318) |
| القسمة أو البيع | لجنة إزالة الشيوع في مديرية التسجيل، ثم الطعن لدى المحكمة | تبليغ لا يرد عليه الوارث المقيم في الخارج، فيمضي الملف دون دفاع عن حصته |
ولا تسير هذه المراحل دائماً بهذا الترتيب، فقد يُعرض التخارج قبل أن تُعرف عقارات التركة كلها، وقد تُطلب الوكالة قبل استخراج الحجة. ويحدد المحامي من وقائع كل ملف أي مرحلة تحتاج حضوراً في الأردن، وأيها يمكن أن ينتظر.
ثالثاً: التخارج: توقيع واحد يُخرج الوارث من التركة
تعرّف المادة (314) من قانون الأحوال الشخصية التخارج بأنه أن يتصالح الورثة على إخراج بعضهم من الميراث على شيء معلوم. وبحسب المادة (315)، إذا تخارج أحد الورثة مع آخر منهم استحق نصيبه وحل محله في التركة. فالوارث الذي يقبل من أخيه مبلغاً أو عقاراً بعينه مقابل حصته يخرج من التركة، كلها أو في القدر الذي شمله التخارج، ويصبح ما كان له ملكاً لغيره.
والرجوع عن هذا الأثر صعب. فالمادة (317) تقرر أن التخارج يقبل الإقالة بالتراضي، أي أن إلغاءه بالاتفاق يحتاج إلى موافقة الطرف الآخر نفسه، وفي غير ذلك يبقى طريق دعوى تصحيح التخارج أو إبطاله أمام المحكمة الشرعية. وتحمي المادة (316) الوارث في حدود معينة، إذ لا يشمل عقد المخارجة كل مال يظهر للميت بعد العقد ولم يكن المتخارج على علم به وقت العقد. أما ما تنازل عنه وهو يعلم بوجوده، فالرجوع فيه يحتاج إلى سبب قانوني يُثبَت أمام المحكمة الشرعية، ويدرس المحامي ما إذا كانت وقائع الملف تقيم سبباً كهذا، وما يلزم لإثباته.
وتضيف المادة (318) قيداً يتصل بالتركات التي تمتد عبر أكثر من جيل: فالتخارج لا يسري على الأموال غير المنقولة الموروثة من الغير إلا إذا أُجريت معاملة الانتقال عليها باسم المورث قبل تسجيل حجة التخارج، ما لم تنص الحجة صراحة على خلاف ذلك. فأرض الجد التي لم تُنقل إلى اسم الأب قد تبقى خارج التخارج، أو تدخل فيه بعبارة واحدة في الحجة.
وقد أحاط القانون التخارج بضمانات إجرائية. فالمادة (319) تجعل تنظيم تسجيل حجج التخارج بتعليمات تتضمن المدة الواجب انقضاؤها بين وفاة المورث وإجراء التخارج، وتوجب تعليمات تنظيم وتسجيل حجج التخارج على المحكمة قبل تسجيله أن تُفهم طرفيه الأثر المترتب عليه، وتضع شرطاً للبدل حين تشمل التركة أموالاً نقدية. غير أن هذه الضمانات تفترض أن الوارث يعرف مكونات التركة وقيمتها، وهذه المعرفة بالذات هي ما يفتقده كثيراً من يعيش في الخارج ويعتمد على ما ينقله إليه أحد الإخوة.
والمفاضلة بين قبول التخارج والمطالبة بالحصة نفسها أو بقسمة العقار تختلف بحسب مكونات التركة وقيمة عقاراتها وعدد الورثة ومواقفهم، وهي نفسها نقطة قانونية تستحق استشارة قبل أي توقيع.
رابعاً: الوكالة الموقعة من الخارج قد تتجاوز حاجة التركة
لا يستطيع أغلب الورثة المقيمين في أمريكا وكندا متابعة ملف التركة بأنفسهم، فيعطون وكالة لأحد الإخوة أو لمحامٍ في الأردن. ويجعل قانون أصول المحاكمات الشرعية تنظيم الوكالات المتعلقة بأعمال المحاكم الشرعية من اختصاصها، وتلزم تعليمات التخارج المحكمة بمراعاة أحكامها عند تسجيل الوكالات الخاصة بالتخارج. فالتخارج قد يجري بوكالة، والوكالة الواسعة التي يمنحها الوارث لأحد إخوته قد تمتد إلى التخارج عن حصته أو التصرف فيها، دون أن يكون صاحبها قد رأى قائمة بأموال التركة أو تقديراً لقيمة عقاراتها. والضمانات التي تقررها التعليمات أمام المحكمة لا تغني الوارث عن معرفة مكونات التركة قبل أن يوقّع الوكالة.
وتحتاج الوثائق الصادرة في أمريكا أو كندا، ومنها الوكالة، إلى تصديق قبل أن تقبلها أي جهة أردنية، ويدقق المحامي ذلك في ضوء التعليمات النافذة. ويعرض مقال الوكالة من أمريكا وكندا للاستعمال في الأردن أنواع الوكالات وطريق تصديقها في البلدين.
ولذلك يبدأ المحامي من الغرض الذي تحتاجه التركة فعلاً في كل مرحلة، فيقدّر نطاق الوكالة على قدره: استخراج الحجة ومتابعة المعاملات شيء، والتنازل عن الحصة أو بيعها شيء آخر يُترك لقرار لاحق من صاحبها بعد أن تتضح مكونات التركة.
ملاحظة عملية: التخارج المسجل يقبل الإقالة بالتراضي (م317)، والمدة التي يجب أن تمضي بعد الوفاة قبل تسجيل التخارج تحددها تعليمات صادرة بموجب المادة (319) وقابلة للتعديل. ويراجع المحامي حجة الإرث وقيود عقارات التركة لدى مديريات التسجيل قبل أن يقدّر عدالة أي بدل معروض. ولا توقّع وكالة تخارج، ولا وكالة واسعة لأحد الورثة، قبل الاطلاع على مكونات التركة وقيمتها أو استشارة محامٍ مختص.
خامساً: الوارث الذي لا يحمل الجنسية الأردنية
يكثر بين الورثة المقيمين في أمريكا وكندا من يحمل جنسية تلك الدولة وحدها، كالأبناء الذين وُلدوا ونشؤوا هناك. ويجيز قانون الملكية العقارية رقم (13) لسنة 2019 في المادة (133) لغير الأردني أن يتملك عقاراً في المملكة بعد حصوله على إذن بذلك، ويحظر عليه تملك العقارات في المناطق الحدودية والأثرية والتاريخية. لكن المادة (158) تستثني من شرط الحصول على إذن بتملك العقار تملكَه بالانتقال بالإرث لأي من ورثة المالك. فانتقال الحصة إلى الوارث بالإرث لا يتوقف على إذن التملك الذي يُطلب من غير الأردني في غير الإرث.
غير أن الاستثناء يقف عند انتقال الحصة بالإرث. أما ما بعده، كتصرف الوارث غير الأردني في حصته أو شرائه حصص غيره، أو وقوع العقار في منطقة يحظر القانون تملك غير الأردنيين فيها، أو اشتراط موافقات أخرى في حالته، فمسائل يدققها المحامي في ضوء النص النافذ وتعديلاته.
سادساً: حين تتجمد التركة بين الورثة
بعد انتقال العقارات إلى أسماء الورثة يصبحون شركاء فيها على الشيوع، وكثيراً ما يبقى الوضع على حاله سنوات: أحد الإخوة يسكن بيت العائلة، وآخر يريد البيع، والوارث في الخارج لا يعرف ما يجري في عقار يملك فيه حصة. وما يتغير بالنسبة إليه أن ملف القسمة قد يجري دون أن يكون له من يمثله، فيمضي تبليغ دون رد، ويستقر تقدير لقيمة الحصص لم يعترض عليه أحد في وقته. ويعرض مقال إزالة الشيوع في القانون الأردني حق كل شريك في طلب القسمة وطرقها ونصاب الشركاء. فملف التركة الواحد يتوزع بين المحكمة الشرعية ومديرية التسجيل ولجنة إزالة الشيوع، ويحتاج من يتابعه لدى كل جهة في وقتها.
سابعاً: أسئلة متكررة
هل يستطيع الوارث المقيم في أمريكا أو كندا استخراج حجة حصر الإرث دون السفر إلى الأردن؟
يجري ذلك في الغالب عن طريق وكيل في الأردن بوكالة صادرة من الخارج ومصدّقة وفق التعليمات النافذة. وتختص بتعيين الحصص الإرثية المحكمة الشرعية لمحل إقامة المتوفى، أو المحكمة التي يقيم فيها بعض الورثة إذا كان محل إقامة المتوفى خارج المملكة. ونطاق الوكالة هو ما يحتاج إلى عناية قبل التوقيع.
ما هو التخارج بين الورثة؟
هو أن يتصالح الورثة على إخراج بعضهم من الميراث على شيء معلوم (م314). فإذا تخارج وارث مع آخر استحق نصيبه وحل محله في التركة (م315)، ويُسجَّل التخارج أمام المحكمة الشرعية.
هل يمكن التراجع عن التخارج بعد تسجيله؟
التخارج يقبل الإقالة بالتراضي (م317)، فإلغاؤه بالاتفاق يحتاج إلى موافقة الطرف الآخر. وفي غير ذلك يبقى طريق دعوى تصحيح التخارج أو إبطاله أمام المحكمة الشرعية، ويتوقف على سبب قانوني يُثبَت فيها. ولا يشمل التخارج المال الذي يظهر للميت بعد العقد ولم يكن المتخارج يعلم به وقته (م316).
هل يرث من يحمل الجنسية الأمريكية أو الكندية فقط عقاراً في الأردن؟
تستثني المادة (158) من قانون الملكية العقارية تملك العقار بالانتقال بالإرث لأي من ورثة المالك من شرط الحصول على إذن بتملك العقار المقرر لغير الأردنيين. أما التصرف اللاحق في الحصة، وأثر موقع العقار، فمسائل يدققها المحامي في كل ملف.
هل تكفي وكالة عامة لأحد الإخوة لإدارة التركة؟
قد تكون الوكالة العامة أوسع بكثير مما تحتاجه التركة، فتمتد إلى التصرف في الحصة أو التخارج عنها. ويقدّر المحامي النطاق المناسب للوكالة بحسب المرحلة التي بلغها الملف.
استشارة قانونية
ملف التركة حين يقيم بعض الورثة في أمريكا أو كندا من أكثر ملفات الإرث حساسية، فمن جهة الوارث المقيم في الخارج قد تخرج حصته من يده بتوقيع على وكالة أو تخارج لم يطّلع قبله على مكونات التركة، ومن جهة الورثة في الأردن قد تبقى التركة معلقة لأن أحد الشركاء بعيد لا يرد ولا يوكّل. وما يُسجَّل أمام المحكمة الشرعية أو في السجل العقاري يصعب الرجوع عنه بعد إتمامه، ولا يُستدرك في الغالب إلا بدعوى. وللحصول على استشارة قانونية في قضايا الإرث، أو للاطلاع على ما يتغير في أي ملف أردني حين يقيم صاحبه في الخارج في مقال محامي في الأردن للمقيمين في أمريكا وكندا، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة والاستشارات القانونية.