جريمة الفعل المنافي للحياء في القانون الأردني وتمييزها عن هتك العرض
تمسّ الجرائم الواقعة على الحياء حرية الإنسان الجسدية وكرامته الشخصية، وقد يتوقف مصير المتهم فيها على وصف واحد يفصل بين فعلٍ منافٍ للحياء يُعاقب عليه بالحبس وهتك عرض يدخل في نطاق الجنايات. وقد عالج المشرع الأردني صوراً متعددة من هذه الأفعال في قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته، ووضع لكل صورة أحكاماً خاصة تتناسب مع طبيعتها وخطورتها والظروف التي ارتُكبت فيها. ولأن الفاصل بين الوصفين يقوم على تفاصيل دقيقة في الواقعة تقدّرها محكمة التمييز في كل قضية على حدة، فإن التكييف القانوني الصحيح للفعل مسألة يحسمها محامٍ مختص بعد دراسة الملف.
فليس كل تصرف غير لائق يشكل بالضرورة جريمة هتك عرض، كما أن عدم وصول الاعتداء إلى مواضع العورات لا يعني انتفاء المسؤولية الجزائية، إذ قد يشكل الفعل، بحسب ظروفه وملابساته، جريمة مستقلة يعاقب عليها القانون.
أولاً: مفهوم الفعل المنافي للحياء
الفعل المنافي للحياء هو كل سلوك مادي يصدر عن شخص، ويتخذ صورة فعل أو حركة أو إشارة ذات طبيعة مخلة بالحياء، من شأنها المساس بحرمة الجسد أو خدش الشعور الأخلاقي للمجني عليه، متى توافرت في هذا السلوك العناصر التي يتطلبها النص القانوني المنطبق على الواقعة.
ووصف الفعل بأنه منافٍ للحياء لا يتوقف على مجرد عدم ملاءمته للأعراف الاجتماعية، وإنما يتطلب بحث طبيعة السلوك وظروف ارتكابه ومكانه، ومدى انطباق النص الجزائي عليه. كما يميّز القانون بين الأفعال المادية المخلة بالحياء وبين الأقوال البذيئة أو العبارات غير اللائقة؛ فالأقوال قد تشكل، بحسب مضمونها وظروف صدورها، جريمة أخرى، لكنها لا تتحول لمجرد بذاءتها إلى فعل مادي منافٍ للحياء.
وقد نظم المشرع الأردني صوراً مختلفة من الاعتداءات على الحياء في المواد (305) و(306) و(320) من قانون العقوبات، مع اختلاف نطاق كل نص وشروط تطبيقه. فالمادة (305) تتعلق بالمداعبة بصورة منافية للحياء في الحالات المحددة فيها، في حين تتناول المادة (306) عرض فعل منافٍ للحياء أو توجيه عبارات أو القيام بحركات غير أخلاقية في الحالات التي نصت عليها، أما المادة (320) فتتناول الفعل المنافي للحياء أو الإشارة المنافية له في الأماكن العامة أو في الظروف التي يحددها النص.
ومن ثم يدرس المحامي، قبل تحديد المادة الواجبة التطبيق، طبيعة الفعل ذاته، وسن المجني عليه، ومدى رضاه حيث يكون الرضا معتبراً قانوناً، ومكان وقوع الواقعة، وسائر الظروف المرتبطة بها.
ثانياً: أركان جريمة الفعل المنافي للحياء
لا تتطابق جميع صور الأفعال المنافية للحياء في عناصرها، ولذلك يبدأ تحديد أركان الجريمة من النص القانوني الذي يحكم الواقعة. وبوجه عام، يبرز السلوك المادي والقصد الجرمي في كل الصور، أما العلانية فعنصر لازم في الصورة التي يشترط فيها القانون وقوع الفعل علناً، ولا يجوز تعميم هذا الشرط على جميع الجرائم المتعلقة بالحياء.
1. الركن المادي
يقوم الركن المادي على السلوك الذي يصدر عن الجاني ويجرّمه القانون، وقد يتمثل في فعل أو حركة أو إشارة أو مداعبة أو غير ذلك من صور السلوك التي تدخل ضمن نطاق النص القانوني المنطبق. ويشترط أن تكون طبيعة السلوك وملابساته كافية لإضفاء الوصف الجرمي عليه؛ فمجرد استنكار التصرف اجتماعياً لا يكفي للحكم بقيام جريمة جزائية، بل يتعين بيان الفعل الذي ارتكبه المتهم وتحديد النص الذي يجرّمه.
ويفرّق القانون كذلك بين الفعل المادي والقول المجرد. فقد تتضمن الواقعة عبارات بذيئة أو إيحاءات لفظية، وقد تتضمن، في المقابل، سلوكاً مادياً مستقلاً. ويترتب على هذا التمييز اختلاف التكييف القانوني بحسب مضمون الواقعة والنص الواجب التطبيق؛ فقد تدخل بعض الأقوال ضمن أحكام المادة (306) إذا توافرت شروطها، بينما قد تخضع أقوال أخرى لأحكام قانونية مختلفة.
وعلى سبيل المقارنة، استقر جانب من القضاء المصري، في تفسير المادة (278) من قانون العقوبات المصري، على أن جريمة الفعل الفاضح العلني تتطلب فعلاً مادياً يخدش الحياء، وأن مجرد الأقوال، مهما بلغت درجة البذاءة، لا يكفي وحده لقيام هذه الجريمة بالوصف المذكور، وإن أمكن أن يشكل جريمة أخرى متى توافرت أركانها. ويُستأنس بهذا الاتجاه في نطاق المقارنة القانونية فقط، مع مراعاة اختلاف النصوص بين التشريعين المصري والأردني.
ولا يشترط دائماً أن يقع السلوك على جسم المجني عليه؛ فقد يكون الفعل موجهاً إلى شخص آخر، أو يصدر عن الجاني على نحو يمس الحياء العام، وذلك بحسب طبيعة الجريمة والنص القانوني الذي ينطبق عليها.
أما رضا المجني عليه أو عدم رضاه فلا يُبحث بمعزل عن النص القانوني؛ فبعض النصوص تجعل انعدام الرضا عنصراً صريحاً في التجريم، في حين تقوم جرائم أخرى على شروط مختلفة، كوقوع الفعل في مكان عام أو على نحو يمكن معه مشاهدته. ولذلك يحدد المحامي أثر الرضا في ضوء الجريمة المسندة إلى المتهم، لا باعتباره شرطاً عاماً لجميع صور الأفعال المنافية للحياء.
2. ركن العلانية
العلانية ركن أساسي في الجرائم التي يشترط القانون لقيامها أن يقع الفعل علناً، ومن ذلك الصورة التي تتناولها المادة (320) من قانون العقوبات الأردني. وتتحقق العلانية، وفقاً لطبيعة النص، عندما يقع الفعل في مكان عام أو في مجتمع عام، أو على صورة يمكن معها لمن يوجد في مكان عام أن يراه. ولا يُشترط في كل حالة أن يثبت أن شخصاً قد شاهد الفعل فعلاً؛ إذ قد تكفي إمكانية المشاهدة متى توافرت شروط النص المنطبق.
وقد عالج المشرع الأردني وسائل العلانية في المادة (73) من قانون العقوبات، فبيّن صوراً تتعلق بالأعمال والحركات الواقعة في الأماكن العامة أو المعرضة للأنظار، والكلام أو الصراخ الذي يسمعه الغير، والكتابات والصور وغيرها من الوسائل التي تعرض أو تنشر على نحو يتيح للجمهور الاطلاع عليها، وفقاً للشروط الواردة في المادة.
ويستلزم تقدير العلانية النظر إلى ظروف الواقعة، وطبيعة المكان، وإمكانية مشاهدة الفعل أو سماعه من الأشخاص الذين لا صلة لهم به، ومدى توافر الشروط التي يحددها القانون، فلا يكفي فيه اسم المكان أو صفته.
ومع ذلك، ليست العلانية ركناً لازماً في كل جريمة متصلة بالحياء؛ فهناك نصوص تعاقب على سلوكيات معينة ولو لم تقع في مكان عام، متى توافرت عناصرها الخاصة. وانتفاء العلانية قد يؤثر في انطباق نص معين، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى انتفاء المسؤولية الجزائية عن كل فعل آخر قد ينطبق عليه نص مختلف.
3. الركن المعنوي والقصد الجرمي
لا يكفي، من حيث الأصل، إثبات وقوع السلوك المادي وحده، بل يتعين التحقق من توافر الركن المعنوي الذي تتطلبه الجريمة. ويتعلق ذلك بمدى علم الجاني بطبيعة فعله واتجاه إرادته إلى ارتكابه، وفقاً لمتطلبات النص القانوني.
ويُستدل على القصد الجرمي من ظروف الواقعة وملابساتها، وطبيعة السلوك، والكيفية التي صدر بها، وما إذا كانت الأدلة تؤيد أن الفعل قد ارتُكب بإرادة واعية. ولا يكفي مجرد افتراض سوء النية أو الاستناد إلى الانطباع الشخصي عن تصرف المتهم دون بيان الوقائع والأدلة التي تدعم هذا الاستنتاج.
وفي هذا السياق، أورد القضاء المصري أن القصد الجنائي في جريمة الفعل الفاضح المخل بالحياء يتوافر متى كان المتهم عالماً بأن فعله من شأنه خدش الحياء، مع مراعاة ظروف الواقعة وطبيعة السلوك. ويبقى هذا القضاء اجتهاداً صادراً عن محكمة مصرية لا يُنسب إلى القضاء الأردني، وإنما يُستفاد منه في المقارنة الفقهية بالقدر الذي يتفق مع المبادئ العامة للقانون الجزائي.
ثالثاً: التمييز بين جريمة الفعل المنافي للحياء وجريمة هتك العرض
تتشابه الجريمتان في تعلقهما بالحرمة الجسدية والاعتبار الشخصي للمجني عليه، لكنهما تختلفان في طبيعة السلوك المجرّم ومدى جسامته والعناصر القانونية التي يتطلبها كل نص. ويلخص الجدول الآتي أبرز أوجه الاختلاف:
| وجه المقارنة | الفعل المنافي للحياء (المادتان 305 و306) | الفعل المنافي للحياء العام (المادة 320) | هتك العرض (المواد 296 إلى 299) |
|---|---|---|---|
| طبيعة السلوك | مداعبة أو فعل أو عبارات أو حركات غير أخلاقية في الحالات المحددة | فعل أو إشارة منافية للحياء | اعتداء على الحرمة الجنسية أو الجسدية للمجني عليه |
| جسامة الاعتداء | لا يبلغ الحد الذي تقوم به جريمة هتك العرض | يمس الحياء العام | الأشد جسامة، ويُقدَّر بموضع الاعتداء وطبيعته |
| العلانية | غير مشترطة | شرط لقيام الجريمة | غير مشترطة |
| السن والرضا | المادة (306): من لم يكمل الثامنة عشرة، أو من أكملها دون رضا | لا يقوم التجريم على انعدام الرضا بل على العلانية | تختلف الأحكام بحسب السن ووسيلة الاعتداء |
| العقوبة | المادة (306): الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، مع ظروف مشددة في المادة (306 مكررة) | بحسب الصيغة النافذة للمادة | عقوبة أشد، وتتدرج بحسب النص المنطبق |
1. من حيث طبيعة الفعل المرتكب
قد يتخذ الفعل المنافي للحياء صوراً متعددة، منها بعض الحركات أو الإشارات أو المداعبات التي لا تبلغ، بحسب ظروفها، الحد الذي تقوم به جريمة هتك العرض. وقد يرتكب الجاني كذلك فعلاً يمس الحياء العام دون أن يكون الاعتداء موجهاً إلى جسم شخص آخر. أما هتك العرض فيتعلق بفعل اعتداء على الحرمة الجنسية أو الجسدية للمجني عليه، وتُحدد طبيعته القانونية في ضوء السلوك المرتكب وموضع الاعتداء والظروف المحيطة به، إلى جانب الشروط التي يقررها النص الواجب التطبيق. وللاطلاع على أركان الجريمة الأشد تفصيلاً، يتناول مقال أركان جريمة هتك العرض في قانون العقوبات الأردني عناصرها كما استقر عليها القضاء.
2. من حيث جسامة الاعتداء
جسامة الفعل وطبيعته من أهم عناصر التمييز بين الجريمتين. فإذا انطوى السلوك على اعتداء يمس مواضع العورات أو ينال من الحرمة الجسدية للمجني عليه على نحو يحقق العناصر القانونية لهتك العرض، فقد يتجه التكييف إلى جريمة هتك العرض. أما إذا اقتصر السلوك على صورة أقل جسامة ولم تتحقق عناصر هتك العرض، فقد ينطبق نص آخر متعلق بالفعل المنافي للحياء، متى توافرت شروطه.
ولا يعني ذلك أن كل لمس أو مداعبة لا تصل إلى مواضع العورات تكون بالضرورة فعلاً منافياً للحياء؛ إذ يجب بحث طبيعة السلوك والظروف المحيطة به، ومدى انطباق النصوص القانونية المختلفة، بما فيها النصوص المتعلقة بالمداعبة المنافية للحياء.
وقد أكدت محكمة التمييز الأردنية في اجتهاداتها أهمية التمييز بين هتك العرض والفعل المنافي للحياء في ضوء جسامة الفعل المادي وطبيعته ومدى المساس بحرمة المجني عليه. كما بيّنت أن مجرد الاحتضان أو التقبيل لا يؤدي بصورة آلية إلى اعتبار الفعل هتك عرض، بل يتعين تقدير ظروف الواقعة وحدود السلوك المرتكب.
3. من حيث العقوبة
تختلف العقوبة بحسب الوصف الجرمي والنص القانوني المنطبق. فالمادة (296) من قانون العقوبات الأردني تتناول هتك العرض بالعنف أو التهديد، وتقرر له عقوبة أشد من العقوبات المقررة لبعض صور الأفعال المنافية للحياء. كما تتضمن المواد (297) إلى (299) أحكاماً أخرى تتعلق بصور مختلفة من هتك العرض وظروف المجني عليه وطبيعة الاعتداء.
ولا يصح إطلاق القول بأن كل فعل منافٍ للحياء يعاقب بالعقوبة ذاتها، أو أن جميع صور هتك العرض تخضع لعقوبة واحدة؛ إذ يتوقف الأمر على النص المحدد، وظروف الواقعة، والسن، ووسيلة الاعتداء، وسائر العناصر التي يعتد بها القانون. وتتشابك هذه الجريمة كذلك مع جرائم قريبة منها، وهو ما يفصّله مقال الفرق بين هتك العرض والاغتصاب والتحرش في القانون الأردني.
رابعاً: النصوص القانونية الناظمة للفعل المنافي للحياء في القانون الأردني
نظم المشرع الأردني صوراً متعددة من الأفعال المنافية للحياء في قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته، ومن أبرز النصوص ذات الصلة المواد (305) و(306) و(306 مكررة) و(320)، ولكل مادة نطاق وشروط خاصة.
1. المادة (305): المداعبة المنافية للحياء
تتناول المادة (305) المداعبة بصورة منافية للحياء في الحالات التي حددها النص، ومنها الحالات المرتبطة بسن المجني عليه أو وقوع الفعل دون رضاه. ويُطبَّق النص النافذ وقت ارتكاب الفعل، إلى جانب أي أحكام أخرى قد تنطبق على الواقعة.
2. المادة (306): عرض فعل منافٍ للحياء أو توجيه عبارات أو حركات غير أخلاقية
تنص المادة (306)، وفق النص المعدل المنشور ضمن قانون العقوبات، على ما يلي:
«يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر كل من عرض فعلاً منافياً للحياء أو وجه أي عبارات أو قام بحركات غير أخلاقية على وجه منافٍ للحياء بالقول أو الفعل أو الحركة أو الإشارة تصريحاً أو تلميحاً بأي وسيلة كانت متى وقع الاعتداء على:
- شخص لم يكمل الثامنة عشرة من عمره.
- شخص ذكر كان أو أنثى أكمل الثامنة عشرة من عمره دون رضا».
ويُفهم من هذا النص أن المشرع حدد صوراً للسلوك المجرّم، وربط تطبيقه بصفة المجني عليه وسنه أو بانعدام رضاه، وفقاً للحالات المذكورة فيه. لذلك يتحقق المحامي عند التكييف القانوني من توافر هذه الشروط، ولا يكتفي بوصف السلوك بأنه غير أخلاقي دون بيان انطباق النص عليه.
3. المادة (306 مكررة): الظروف المشددة
أضاف المشرع أحكاماً تتعلق بتشديد العقوبة في حالات محددة، من بينها بعض الحالات المرتبطة بصفة الفاعل أو المجني عليه، أو ارتكاب الفعل من شخصين فأكثر، وفق الشروط الواردة في المادة (306 مكررة). وتؤكد هذه الأحكام أهمية فحص ظروف الواقعة قبل تحديد العقوبة، إذ قد تؤثر بعض الظروف المشددة في مقدارها أو في إمكانية استبدال العقوبة، وفقاً للقانون النافذ.
4. المادة (320): الفعل المنافي للحياء في الأماكن العامة
تتناول المادة (320) من قانون العقوبات الأردني الفعل المنافي للحياء أو الإشارة المنافية له إذا وقعت في مكان عام أو في مجتمع عام أو بصورة يمكن معها لمن يوجد في مكان عام أن يراها.
ملاحظة عملية: طرأت على قانون العقوبات تعديلات متتالية، ولذلك يرجع المحامي إلى الصيغة النافذة للمادة (320) وقت وقوع الفعل لتحديد العقوبة المقررة بدقة، ولا يعتمد على نص قديم أو على مبلغ غرامة أو مدة حبس منقولة من مصدر غير محدث، وهي مراجعة تقتضي الرجوع إلى التشريع الرسمي أو استشارة محامٍ مختص.
والتمييز بين المادة (306) والمادة (320) لا يقوم على مجرد اختلاف مكان وقوع الفعل، وإنما يتطلب فحص طبيعة السلوك، وصفة المجني عليه وسنه ورضاه حيث يكون ذلك مطلوباً، ومدى توافر العلانية، وسائر الشروط القانونية الخاصة بكل نص. واختيار النص الذي تُلاحَق الواقعة بموجبه هو نفسه مسألة قانونية تحدد شكل القضية كلها وتستحق استشارة.
خامساً: الاجتهادات القضائية ذات الصلة
توضح اجتهادات محكمة التمييز الأردنية كيفية تطبيق النصوص الجزائية على الوقائع العملية، وبخاصة في الجرائم التي يتوقف تكييفها على طبيعة الفعل وجسامته وظروف ارتكابه. ويراجع المحامي النص الكامل لكل قرار لدى مصدره القضائي قبل الاستناد إليه في مذكرة أو مرافعة، لأن الوقائع الدقيقة لكل حكم هي ما يحدد مدى انطباقه على قضية أخرى.
1. التمييز بين الشروع بالاغتصاب والفعل المنافي للحياء
تناول قرار محكمة التمييز الأردنية رقم (168) لسنة 2018، بتاريخ 15/1/2018، التمييز بين الشروع بالاغتصاب والفعل المنافي للحياء. فالتكييف القانوني يتوقف على طبيعة الأفعال التي أتاها الجاني ومدى دلالتها على البدء بتنفيذ الجريمة المقصودة، وما إذا كانت قد تجاوزت حدود الفعل المنافي للحياء إلى أفعال تشكل شروعاً في جناية أشد.
ويُستفاد من هذا الاتجاه أن مجرد وجود سلوك غير أخلاقي لا يكفي وحده لتحديد الوصف الجرمي، بل يتعين تحليل الأفعال المادية وتسلسلها والغاية التي تدل عليها، في ضوء أركان الجريمة محل البحث.
2. التمييز بين هتك العرض والفعل المنافي للحياء
تناول قرار محكمة التمييز الأردنية رقم (1476) لسنة 2010، بتاريخ 19/10/2010، معيار التمييز بين هتك العرض والفعل المنافي للحياء. فالمحكمة تقدّر جسامة الفعل وطبيعته ومدى مساسه بحرمة المجني عليه، لتحديد ما إذا كانت الأفعال تشكل هتك عرض أم فعلاً منافياً للحياء. وأهمية هذا الاتجاه أن الوصف القانوني لا يستند إلى اسم الفعل أو الانطباع العام عنه، وإنما إلى تفاصيل الواقعة ومدى تحقق العناصر المكونة للجريمة المحددة في القانون.
3. الأفعال الواقعة على الحياء العام
تناول قرار محكمة التمييز الأردنية رقم (405) لسنة 2007، بتاريخ 8/5/2007، أفعالاً اعتُبرت من قبيل الفعل المنافي للحياء العام المنصوص عليه في المادة (320). ويُستفاد من ذلك أن السلوك الذي يقع في مواجهة الغير قد يخضع لأحكام الفعل المنافي للحياء العام متى توافرت شروط النص، ويبقى فحص الوقائع الدقيقة للحكم شرطاً قبل استخدامه للاستدلال على قاعدة قانونية عامة.
4. الاعتداءات التي لا تبلغ حد هتك العرض
تناول قرار محكمة التمييز الأردنية رقم (223) لسنة 2014، بتاريخ 9/2/2015، أفعالاً مادية ارتُكبت بحق المجني عليه، وانتهى التكييف فيه إلى اعتبارها فعلاً منافياً للحياء وفق المادة (306).
وتؤكد هذه الأحكام، في مجموعها، أن تحديد الوصف الجرمي يتطلب دراسة الأفعال المادية ذاتها، ومدى جسامتها، والظروف المحيطة بها، والعناصر التي يشترطها النص القانوني، دون التوسع في وصف الفعل بهتك العرض أو قصره على وصف أخف دون أساس قانوني.
سادساً: أهمية التكييف القانوني الدقيق
تظهر أهمية التكييف القانوني الدقيق في الجرائم المتعلقة بالحياء في ثلاثة جوانب: تحديد النص القانوني الواجب التطبيق، وعدم الخلط بين الجرائم المختلفة، وتحديد العقوبة التي يجيز القانون فرضها على الفعل المرتكب.
ويستلزم التكييف السليم أن يتضمن القرار القضائي بياناً واضحاً للوقائع الثابتة، والأدلة التي استندت إليها المحكمة، والعناصر القانونية للجريمة، ووجه انطباق النص على الفعل. فلا تكفي الإحالة العامة إلى محضر الضبط أو أوراق الدعوى دون بيان مضمون الأدلة ومدى كفايتها لإثبات الأركان القانونية، وهي نقطة يراقبها المحامي في كل مراحل الدعوى.
ويميّز المحامي كذلك بين الأحكام الصادرة عن المحاكم الأردنية والأحكام الصادرة عن المحاكم المصرية؛ فالأخيرة قد تقدم قيمة مقارنة أو فقهية، لكنها لا تُعرض بوصفها اجتهاداً قضائياً أردنياً، ولا يجوز افتراض تطابق نتائجها مع القانون الأردني دون تحليل النصوص ذات الصلة.
سابعاً: أسئلة متكررة
ما الفرق بين الفعل المنافي للحياء وهتك العرض في القانون الأردني؟
الفرق الجوهري في جسامة الاعتداء وطبيعته ومدى مساسه بالحرمة الجسدية للمجني عليه. فهتك العرض اعتداء أشد يمس الحرمة الجنسية أو الجسدية، وتنظمه المواد (296) إلى (299) من قانون العقوبات، أما الفعل المنافي للحياء فصورة أقل جسامة تنظمها المواد (305) و(306) و(320).
ما عقوبة الفعل المنافي للحياء وفق المادة (306)؟
تقرر المادة (306) من قانون العقوبات الأردني الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر متى وقع الاعتداء على شخص لم يكمل الثامنة عشرة من عمره، أو على شخص أكملها دون رضاه، مع ظروف مشددة تنص عليها المادة (306 مكررة).
هل يشترط أن يقع الفعل المنافي للحياء في مكان عام؟
لا في كل الصور. العلانية شرط في الصورة التي تتناولها المادة (320)، أما المادتان (305) و(306) فتعاقبان على الفعل ولو لم يقع في مكان عام متى توافرت عناصرهما الخاصة.
هل تكفي الأقوال البذيئة لقيام جريمة الفعل المنافي للحياء؟
الأقوال وحدها لا تتحول لمجرد بذاءتها إلى فعل مادي منافٍ للحياء، لكن المادة (306) تشمل توجيه العبارات غير الأخلاقية في الحالات التي نصت عليها، وقد تخضع أقوال أخرى لنصوص مختلفة بحسب مضمونها وظروف صدورها.
هل يُعد الاحتضان أو التقبيل هتك عرض؟
ليس بصورة آلية. فقد بيّنت محكمة التمييز الأردنية أن مجرد الاحتضان أو التقبيل لا يؤدي تلقائياً إلى اعتبار الفعل هتك عرض، بل تُقدَّر ظروف الواقعة وحدود السلوك المرتكب في كل قضية.
ما المقصود بالعلانية في جرائم الحياء؟
بيّنت المادة (73) من قانون العقوبات وسائل العلانية، ومنها الأعمال والحركات الواقعة في مكان عام أو معرض للأنظار. ولا يشترط دائماً أن يثبت أن شخصاً شاهد الفعل فعلاً، إذ قد تكفي إمكانية المشاهدة متى توافرت شروط النص.
استشارة قانونية
قضايا الفعل المنافي للحياء من أدق الملفات الجزائية؛ فمن جهة المجني عليه تمس كرامته وحرمة جسده، ومن جهة المتهم قد يفصل وصف واحد بين جنحة يعاقب عليها بالحبس وجناية هتك عرض بعقوبتها الأشد. والتكييف الذي يستقر عليه الملف في مراحله الأولى قد يصعب تغييره لاحقاً، لأنه يتوقف على تفاصيل الواقعة كما تُثبت في التحقيق. وللحصول على استشارة قانونية متخصصة في القضايا الجنائية، وللإحاطة بالنصوص المتصلة في جريمة هتك العرض وفق القانون الأردني وجريمة التحرش في القانون الأردني، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة والاستشارات القانونية.