جريمة التحرش في القانون الأردني: الأركان والعقوبات والإثبات

جريمة التحرش في القانون الأردني: الأركان والعقوبات والإثبات

راشد العبويني - محامي نظامي- شرعي
بقلم: راشد العبويني محامي نظامي- شرعي

تمسّ جريمة التحرش كرامة الإنسان وحريته الشخصية وشعوره بالأمان، وهي من الملفات التي يصعب على غير المختص أن يحدد بدقة أين تقف من القانون. والسبب أنّ قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته لم يفرد للتحرش نصاً مستقلاً صريحاً باسم «التحرش الجنسي»، بل وزّع معالجة هذا السلوك على عدّة نصوص تجرّم المداعبة المنافية للحياء والأفعال والأقوال والإشارات المنافية للحياء. هذا التشتت في النصوص هو بالذات ما يجعل تكييف أي واقعة بعينها مسألة دقيقة تستلزم تقييم محامٍ مختص قبل أي خطوة، سواء من جهة من تعرّض للتحرش أو من جهة من نُسب إليه الفعل.

أولاً: مفهوم التحرش وكيف يعالجه القانون الأردني دون نص مستقل

يُقصد بالتحرش كل سلوك غير مرغوب فيه يصدر عن شخص تجاه آخر، ويتضمن إيحاءات أو ألفاظاً أو أفعالاً أو إشارات ذات طبيعة جنسية أو منافية للحياء، من شأنها المساس بكرامة المجني عليه أو التعدي على حريته الشخصية. هذا هو المعنى المتداول للتحرش في الفهم العام، لكنّ القانون الأردني لا يلتقطه تحت هذا الاسم الواحد.

الزاوية التي يغفل عنها كثيرون أنّ المشرع الأردني، رغم تشديده للعقوبات على هذا النوع من الأفعال، لم يورد مصطلح «التحرش الجنسي» بصورة مستقلة. وبدلاً من ذلك جرّم الأفعال التي تشكّل تحرشاً عبر مجموعة نصوص متفرّقة في قانون العقوبات، تتناول المداعبة المنافية للحياء، والأفعال المنافية للحياء، والكلام أو الإشارات غير الأخلاقية. ومعنى ذلك عملياً أنّ الواقعة الواحدة قد تنطبق عليها أكثر من صورة قانونية، أو قد تقع على حدّ فاصل دقيق بين فعل يعاقب عليه القانون وآخر لا يبلغ حدّ التجريم. تحديد النص الذي تُلاحَق به الواقعة، من بين هذه النصوص المتعددة، هو في ذاته مسألة قانونية لا تُحسم بالقراءة العامة للنصوص، ويدرسها المحامي على ضوء وقائع الملف وأدلته.

ثانياً: أركان جريمة التحرش

تستند المحكمة في تكييف الفعل وإضفاء الوصف الجرمي عليه إلى توافر مجموعة من الأركان. وفهم هذه الأركان يوضح لماذا لا تتحول كل واقعة مزعجة إلى جريمة مكتملة، ولماذا قد يسقط الوصف الجرمي إذا تخلّف أحدها:

السلوك الجرمي. ويتمثل في كل فعل أو قول أو إشارة أو تصرف يحمل طابعاً جنسياً أو منافياً للحياء ويقع دون رضا المجني عليه. غياب الرضا عنصر جوهري في هذا السلوك.

وقوع الضرر. ويتمثل في الأذى الجسدي أو النفسي أو المعنوي الذي يلحق بالمجني عليه نتيجة السلوك المرتكب.

رابطة السببية. ويشترط وجود علاقة مباشرة تربط بين الفعل المرتكب والضرر الناتج عنه، بحيث يكون الضرر أثراً للفعل لا لسبب آخر منفصل.

القصد الجرمي. ويتحقق عندما تتجه إرادة الجاني إلى ارتكاب الفعل المنافي للحياء مع علمه بطبيعته غير المشروعة وآثاره على المجني عليه.

تقدير ما إذا كانت هذه الأركان قد توافرت فعلاً في واقعة معينة ليس عملية حسابية بسيطة، بل يعتمد على قراءة دقيقة للوقائع والأدلة، وهي نقطة يحسمها المحامي بعد الاطلاع على الملف لا قبله.

ثالثاً: صور التحرش بين الفعل واللفظ والإشارة والوسيلة الإلكترونية

تتنوع صور التحرش التي تعالجها النصوص، ويختلف النص الذي تُلاحَق به كل صورة باختلاف طبيعتها. والجدول التالي يوضح هذا التمايز من المنظور القانوني الأردني، دون أن يغني عن تكييف المحامي لكل حالة على حدة:

صورة التحرش النص الذي تُعالَج به في القانون الأردني الركن المميِّز لها
التحرش الجسدي نصوص المداعبة المنافية للحياء والأفعال المنافية للحياء اتصال أو فعل مادي ذو طابع جنسي يقع على المجني عليه دون رضاه
التحرش اللفظي أو بالإشارة نصوص الكلام والإشارات والحركات المنافية للحياء عبارات أو ألفاظ أو إشارات منافية للحياء توجَّه دون رضا المجني عليه ودون لزوم اتصال جسدي
التحرش في الأماكن العامة نص الفعل أو الإشارة المنافية للحياء المرتكبة علناً علانية الفعل أو وقوعه بصورة تمكّن الآخرين من مشاهدته
التحرش الإلكتروني يقع تكييفه بحسب طبيعة الفعل والوسيلة الرقمية المستخدمة استخدام وسيلة إلكترونية لإيصال السلوك المنافي للحياء

يتبيّن من هذا التمايز أنّ التحرش الجسدي ليس هو وحده ما يجرّمه القانون، وأنّ الأقوال والإشارات قد تبلغ حدّ التجريم كذلك. غير أنّ تحديد الصورة التي تنطبق على واقعة بعينها، والنص الذي تُلاحَق به، يبقى من النقاط الجوهرية التي يثيرها محامٍ مختص في بداية القضية، لأنّ اختلاف الصورة يرتّب اختلافاً في الوصف والعقوبة وأسلوب الإثبات.

رابعاً: عقوبة التحرش في القانون الأردني

حرص المشرع الأردني على تشديد العقوبات المتعلقة بالتحرش والأفعال المنافية للحياء، وتختلف العقوبة بحسب طبيعة الفعل المرتكب والظروف المحيطة به وصفة المجني عليه. وفيما يلي عرض لمستوى الجسامة الذي قرّره القانون، مع التنبيه إلى أنّ تحديد العقوبة التي تنطبق على واقعة معينة لا يتم بمطابقة الأرقام آلياً، بل يخضع لتكييف الفعل أولاً ثم لتقدير قاضي الموضوع في ضوء ظروف القضية:

في صورة المداعبة المنافية للحياء، رصد القانون عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة لمن داعب بصورة منافية للحياء شخصاً لم يكمل الثامنة عشرة من عمره، أو شخصاً أكمل الثامنة عشرة دون رضاه. وفي صورة التحرش اللفظي أو بالإشارة، قرّر القانون عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر لمن وجّه عبارات أو ألفاظاً أو إشارات أو حركات منافية للحياء لأي شخص دون رضاه أو لأي قاصر لم يكمل الثامنة عشرة. أما الأفعال المنافية للحياء المرتكبة في مكان عام أو بصورة تمكّن الآخرين من مشاهدتها، فقد جعل لها القانون عقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنة وغرامة مالية.

ملاحظة عملية: الأرقام الواردة أعلاه تعبّر عن مستوى الجسامة الذي قرّره القانون لكل صورة، لكنها لا تصلح أساساً يطبّقه القارئ على حالته بنفسه، لأنّ تكييف الفعل تحت الصورة الصحيحة، وتحديد ما إذا كان ظرف مشدّد قائماً، يسبق أي حديث عن العقوبة ويغيّرها جوهرياً. ولأنّ النصوص قد تتعدّل من حين لآخر، يستند المحامي عند تقييم الملف إلى أحدث نسخة نافذة من القانون، وهي نقطة لا يُكتفى فيها بالأرقام المتداولة دون استشارة محامٍ مختص.

خامساً: الظروف المشددة للعقوبة

تتضاعف العقوبات المقررة في هذه الجرائم في عدد من الحالات التي تدل على زيادة خطورة الفعل أو على استغلال الجاني لموقعه. ومن أبرز هذه الظروف أن يكون الجاني أحد أصول المجني عليه أو من محارمه، أو أن يكون مسؤولاً عن تربيته أو رعايته، أو أن تكون له سلطة شرعية أو قانونية عليه. ويُضاف إلى ذلك أن يكون المجني عليه غير قادر على المقاومة بسبب عجز جسدي أو نفسي، أو أن ترتكب الجريمة من أكثر من شخص، أو أن يتكرر ارتكابها. كما لا يجوز في بعض حالات التكرار استبدال عقوبة الحبس بالغرامة.

وجود ظرف مشدّد من عدمه ليس مسألة شكلية، إذ يقلب وصف القضية وعقوبتها رأساً على عقب. وتقدير انطباق أحد هذه الظروف على واقعة معينة، خاصة في حالات صلة القرابة أو السلطة، يحتاج إلى تحليل دقيق للعلاقة بين الأطراف ولظروف الفعل، وهو من أهم ما يدرسه المحامي عند بناء موقفه في الملف.

سادساً: التحرش بالأطفال

أولى المشرع الأردني حماية خاصة للأطفال باعتبارهم الفئة الأكثر عرضة للاستغلال والانتهاك. فشدّد العقوبات في حالات التحرش الجسدي أو اللفظي الواقع على الأطفال، واعتبر صلة القرابة أو الولاية أو الرعاية ظرفاً مشدّداً يستوجب مضاعفة العقوبة. وتقوم هذه الحماية على افتراض أنّ رضا القاصر لا يُعتدّ به في هذا السياق، وأنّ موقع الطفل من الجاني، حين يكون الأخير ولياً أو راعياً، يزيد الفعل جسامة.

قضايا التحرش بالأطفال من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، لما تتطلبه من مراعاة لمصلحة الطفل الفضلى وخصوصية إجراءاته، ولما يترتب على تكييفها من عقوبات مغلّظة. وهذه الحساسية تجعل تدخّل محامٍ مختص منذ اللحظة الأولى أمراً جوهرياً لكلا الطرفين.

سابعاً: إثبات جريمة التحرش وصعوبته

تُعدّ هذه الجرائم من أصعب الجرائم إثباتاً، نظراً لأنّها كثيراً ما تُرتكب بعيداً عن أعين الآخرين، فلا يحضرها سوى الجاني والمجني عليه. ولهذا فتح القانون الباب أمام إثباتها بكافة وسائل الإثبات القانونية، ومنها شهادة الشهود، والرسائل النصية والمحادثات الإلكترونية، والتسجيلات الصوتية والمرئية المشروعة، والتقارير الفنية والطبية، واعتراف الجاني، والقرائن التي تطمئن إليها المحكمة. وتتمتع المحكمة بسلطة تقديرية واسعة في وزن هذه الأدلة واستخلاص الحقيقة من الوقائع المعروضة أمامها.

هذه السلطة التقديرية الواسعة هي بالضبط مكمن الصعوبة. فمشروعية الدليل وكيفية الحصول عليه ومدى تماسكه قد تكون محل نزاع جدّي أمام المحكمة، وقد يُستبعد دليل لخلل في طريقة الحصول عليه أو لتعارضه مع غيره. وتقدير ما إذا كانت الأدلة المتوافرة في ملف معين كافية لبناء قناعة المحكمة، أو قابلة للدحض، مسألة فنية دقيقة لا تُحسم بانطباع عام، بل تحتاج إلى من يقرأ الملف بعين المختص. ولهذا فإنّ بناء موقف الإثبات أو دحضه ليس عملاً يخوضه الطرف بنفسه، بل هو من صميم عمل المحامي. ولفهم كيف يختلف هذا الإثبات وأركانه عن جرائم العرض الأخرى، يفيد الاطلاع على الفرق بين هتك العرض والاغتصاب والتحرش في القانون الأردني.

تنبيه مهم لمن يجد نفسه طرفاً في مثل هذه الوقائع: لا تتصرف في الأدلة أو المراسلات بنفسك قبل استشارة مختص، ولا تُدلِ بأي تصريح أو إقرار قبل أن يحضر محاميك، لأنّ خطوة واحدة غير محسوبة قد تضرّ بالموقف القانوني بصورة يصعب تداركها لاحقاً.

أسئلة متكررة

هل ينص القانون الأردني على جريمة باسم «التحرش الجنسي» تحديداً؟

لا يورد قانون العقوبات الأردني مصطلح «التحرش الجنسي» كجريمة مستقلة قائمة بذاتها. وإنما يعالج الأفعال التي تشكّل تحرشاً عبر عدة نصوص متفرّقة تتعلق بالمداعبة المنافية للحياء والأفعال والأقوال والإشارات المنافية للحياء، وهذا التعدد في النصوص هو ما يجعل تكييف كل واقعة على حدة مسألة تستدعي رأي محامٍ مختص.

هل يقتصر التحرش المعاقب عليه على الاتصال الجسدي؟

لا. عالج القانون صوراً لا تتطلب اتصالاً جسدياً، كالعبارات والألفاظ والإشارات والحركات المنافية للحياء التي توجَّه دون رضا المجني عليه. غير أنّ تحديد ما إذا كان قول أو إشارة معينة تبلغ حدّ التجريم يختلف بحسب وقائع كل حالة.

ما الذي يجعل إثبات جريمة التحرش صعباً؟

غالباً ما تقع هذه الأفعال بعيداً عن أعين الآخرين، فلا يتوافر شهود مباشرون. ومع أنّ القانون يجيز الإثبات بكافة الوسائل، فإنّ مشروعية كل دليل ومدى تماسكه قد يكونان محلّ نزاع، وهو ما يجعل تقدير كفاية الأدلة عملاً فنياً يخضع لتقدير المحكمة وحاجة إلى محامٍ يقرأ الملف.

متى تتضاعف العقوبة في جرائم التحرش؟

تتشدد العقوبة في حالات تدل على زيادة الخطورة، كأن يكون الجاني من أصول المجني عليه أو محارمه أو ممن لهم سلطة عليه، أو أن يكون المجني عليه عاجزاً عن المقاومة، أو أن يتكرر الفعل أو يرتكبه أكثر من شخص. وانطباق أي ظرف مشدّد على واقعة معينة يحتاج إلى تحليل قانوني دقيق.

كيف يتعامل القانون مع التحرش بالأطفال؟

أفرد القانون للأطفال حماية مشددة، فغلّظ العقوبات في حالات التحرش بهم، واعتبر صلة القرابة أو الولاية أو الرعاية ظرفاً مشدّداً. وحساسية هذه القضايا وما يترتب عليها من عقوبات مغلّظة تجعل الاستعانة بمحامٍ مختص ضرورة لكلا الطرفين.

ما الفرق بين التحرش وهتك العرض في القانون الأردني؟

يفترض هتك العرض اعتداءً مادياً ذا طبيعة جنسية يقع على جسد المجني عليه، بينما قد يتحقق التحرش دون اتصال جسدي عبر الأقوال أو الإشارات. والتمييز بين الوصفين يؤثر مباشرة في تكييف القضية وعقوبتها، وهو من النقاط التي يحسمها المحامي بعد دراسة الوقائع.

استشارة قانونية

تتسم قضايا التحرش بحساسية بالغة لكلا الطرفين، فمن جهة من تعرّض للتحرش هناك حاجة إلى دعم قانوني يصون كرامته وحقوقه ويتعامل مع الملف بسرية، ومن جهة من نُسب إليه الفعل هناك مواجهة لاتهام قد يرتّب عقوبات جسيمة ويستلزم دفاعاً متيناً منذ اللحظة الأولى. وصعوبة الإثبات في هذه الجرائم، وتعدّد النصوص التي قد تُلاحَق بها الواقعة، يجعلان التكييف القانوني الصحيح للفعل خطوة فاصلة لا تُترك للتقدير الشخصي. للحصول على استشارة قانونية متخصصة في القضايا الجنائية، أو لفهم المسائل المتصلة عبر مقالاتنا حول جريمة هتك العرض في القانون الأردني وجريمة الاغتصاب في القانون الأردني، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة.

مقالات ذات صلة