جريمة الذم والقدح والتحقير والتشهير في القانون الأردني

جريمة الذم والقدح والتحقير والتشهير في القانون الأردني

راشد العبويني - محامي نظامي- شرعي
بقلم: راشد العبويني محامي نظامي- شرعي

منشور واحد على وسائل التواصل، أو تعليق مكتوب في لحظة غضب، قد يتحول إلى شكوى جزائية تطال صاحبه بالحبس والغرامة، وقد يجد من تعرّض للإساءة نفسه أمام إساءة منتشرة يصعب احتواؤها بعد فوات الأوان. ينظّم القانون الأردني هذه المسألة عبر مسارين متوازيين: قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته الذي يحكم جرائم الذم والقدح والتحقير بصورتها التقليدية، وقانون الجرائم الإلكترونية رقم 17 لسنة 2023 الذي وسّع نطاق الحماية وشدّد العقوبات حين تقع الإساءة عبر الشبكة المعلوماتية. والخط الفاصل بين عبارة مباحة وجريمة معاقب عليها دقيق ومتشابك، ويختلف باختلاف الوسيلة ومدى العلنية ووقائع كل ملف، وهو ما يجعل تقييمه القانوني المبكر، لكلا الطرفين، أمراً لا يُستغنى عنه.

يوضّح هذا المقال ما يَعُدّه القانون الأردني ذماً أو قدحاً أو تحقيراً أو تشهيراً، وكيف يتمايز كل وصف عن الآخر، ولماذا يقلب البُعد الإلكتروني موازين الجريمة والعقوبة معاً، دون أن يتحول إلى دليل إجرائي يغني عن المحامي.

أولاً: التمييز بين الذم والقدح والتحقير والتشهير

ميّز القانون الأردني بين صور الاعتداء على الشرف والاعتبار بحسب طبيعة الفعل المرتكب، لا بحسب جسامة الإساءة في ذهن صاحبها. هذا التمييز ليس تفصيلاً نظرياً، إذ يترتب عليه اختلاف في التكييف القانوني والعقوبة وشروط الإثبات، وهو من أولى النقاط التي يدرسها محاميك عند قراءة الوقائع.

الذم يقوم على إسناد واقعة أو أمر معيّن إلى شخص، ولو جاء على سبيل الشك أو الاستفهام، متى كان من شأن هذه الواقعة أن تنال من شرفه أو كرامته أو تعرّضه لازدراء الناس واحتقارهم، سواء أكانت الواقعة تشكّل جريمة أم لا. الجوهر هنا هو نسبة أمر محدد إلى الشخص.

القدح يتمثل في توجيه عبارات أو أوصاف تمسّ كرامة الشخص أو اعتباره دون إسناد واقعة محددة إليه. يكفي أن تتضمن الألفاظ ما من شأنه الحط من مكانته أو الإساءة إلى سمعته، فالقدح إساءة عامة لا تنبني على واقعة بعينها.

التحقير هو كل قول أو فعل أو كتابة أو إشارة أو رسم يؤدي إلى الحط من قدر شخص أو التقليل من احترامه أمام الآخرين، ويُشترط لقيامه أن يقع بصورة علنية وفقاً لأحكام القانون.

التشهير نشرٌ لمعلومات أو صور أو تسجيلات أو عبارات تتعلق بشخص معيّن بقصد الإساءة إلى سمعته أو الإضرار بمكانته الاجتماعية أو المهنية. ولم يكن التشهير يشكّل جريمة مستقلة في قانون العقوبات التقليدي، بل كان يُدرَج بوصفه صورة من صور الذم أو القدح أو التحقير متى اقترن بالنشر والعلانية. ومع قانون الجرائم الإلكترونية، صارت بعض صور التشهير الإلكتروني جرائم قائمة بذاتها لها عقوباتها الخاصة.

الوصف القانوني التعريف المختصر الركن المميّز الوسيلة الغالبة مثال مبسّط
الذم إسناد واقعة معينة تنال من الشرف نسبة أمر محدد إلى الشخص القول أو الكتابة أو النشر اتهام شخص بارتكاب فعل مشين بعينه
القدح عبارات مهينة دون إسناد واقعة الإساءة العامة بلا واقعة محددة الألفاظ والأوصاف وصف شخص بأوصاف حاطّة من كرامته
التحقير حطّ من القدر بقول أو فعل أو إشارة الازدراء العلني للشخص القول والفعل والإشارة والرسم إشارة أو رسم مهين أمام الآخرين
التشهير نشر يقصد الإضرار بالسمعة النشر والانتشار بقصد الإساءة المنشورات والصور والتسجيلات تداول صورة أو تسجيل للإساءة لشخص

تحديد أيّ هذه الأوصاف ينطبق على واقعة بعينها ليس مسألة لغوية، بل هو بحد ذاته مسألة قانونية تتوقف على صياغة العبارة وسياقها والوسيلة التي نُشرت بها، وهي من النقاط التي يحسمها المحامي بعد الاطلاع على الملف لا بالقراءة السطحية للنص.

ثانياً: أركان جرائم الذم والقدح والتحقير

تقوم هذه الجرائم على ركنين أساسيين، ويُضاف إليهما شرط العلنية في حالات معينة. والإحاطة بهذه الأركان تكشف لماذا لا تكفي حِدّة العبارة وحدها لقيام الجريمة، ولماذا قد تنتفي المسؤولية رغم وجود إساءة ظاهرة.

الركن المادي يتمثل في فعل الإسناد أو التعبير المسيء الصادر عن الجاني، وقد يتحقق بصور متعددة: القول الشفهي والمكالمات الهاتفية، والكتابة بأشكالها كافة، والرسوم والصور والأفلام والرسوم الكاريكاتيرية، والإشارات والحركات الحاملة لمعنى مهين. ويتحقق هذا الركن متى صدر الفعل المسيء ووصل إلى الغير بالصورة التي تمسّ كرامة المجني عليه أو سمعته.

الركن المعنوي يتطلب توافر القصد الجرمي، بأن يكون الجاني عالماً أن ما يصدر عنه من شأنه الإساءة إلى المجني عليه أو النيل من اعتباره، وأن تتجه إرادته إلى نشر تلك العبارات أو إيصالها للغير. وتقدير توافر هذا القصد من عدمه، خاصة في العبارات المحتملة لأكثر من معنى، من أدقّ ما يقيّمه المحامي، لأنه قد يكون مفتاح نفي المسؤولية أو إثباتها.

ثالثاً: شرط العلنية وأثره في قيام الجريمة

العلنية عنصر جوهري في جرائم الذم والقدح، لأن الغاية من التجريم حماية السمعة أمام المجتمع لا مجرد حماية المشاعر الشخصية. ومن هنا تتغير صورة الملف جذرياً بحسب ما إذا توافرت العلنية أو انتفت.

وتتحقق العلنية في صور منها الذم أو القدح الوجاهي أمام أشخاص آخرين، والذم أو القدح الغيابي أمام عدد من الأشخاص في غياب المجني عليه، والنشر بواسطة الصحف أو المطبوعات أو وسائل التواصل الاجتماعي، وتوزيع الرسائل أو الصور على الجمهور.

وقد أكدت محكمة التمييز الأردنية في كثير من أحكامها أن مجرد صدور الإساءة أمام شخص واحد قد لا يكفي لقيام ركن العلنية في بعض الحالات، ما لم تتحقق شروط النشر أو الانتشار التي يتطلبها القانون. وتقدير توافر العلنية من عدمه في الواقعة محل النزاع من النقاط التي يثيرها محامٍ مختص في وقت مبكر، لأنها قد تكون الفارق بين قيام الجريمة وانتفائها.

ملاحظة عملية: ما يُعدّ علنياً عند النشر الرقمي يختلف عما يُعدّ كذلك في النطاق الضيّق؛ فمنشور في مجموعة مغلقة محدودة قد يُقيَّم تقييماً مغايراً لمنشور عام مفتوح للجمهور، والحدّ الفاصل يتأثر بطبيعة المنصة ودائرة الوصول وظروف كل واقعة. وهذه مسألة لا يُكتفى فيها بالانطباع العام دون مراجعة قانونية دقيقة أو استشارة محامٍ مختص.

رابعاً: البُعد الإلكتروني وكيف يقلب موازين الجريمة

أدّى الانتشار الواسع للإنترنت ومنصات التواصل إلى ظهور صور جديدة من الاعتداء على السمعة والشرف، فصارت المنشورات والتعليقات والرسائل والصور ومقاطع الفيديو وسائل شائعة لارتكاب جرائم الذم والقدح والتشهير. وأمام هذا الواقع أصدر المشرّع الأردني قانون الجرائم الإلكترونية لمعالجة الجرائم المرتكبة عبر الشبكة المعلوماتية، ثم أتبعه بقانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 الذي وسّع نطاق الحماية القانونية وشدّد العقوبات.

ومن أبرز الأفعال التي يشملها هذا الإطار نشر عبارات الذم أو القدح أو التحقير عبر الإنترنت، والإساءة إلى الأشخاص من خلال مواقع التواصل، ونشر الصور والمقاطع المسيئة أو تداولها، وتعديل الصور والتسجيلات أو تركيبها بقصد التشهير، واستخدام الوسائل الإلكترونية للإضرار بسمعة الأشخاص.

البُعد الإلكتروني لا يضيف وسيلة جديدة فحسب، بل يغيّر طبيعة المسألة من ثلاث جهات. أولها سهولة تحقق العلنية والانتشار الواسع للمحتوى المسيء إلى أعداد كبيرة في وقت قصير، ما يجعل العلنية في كثير من الأحيان قائمة بمجرد النشر. وثانيها تشديد العقوبة بصورة ملحوظة مقارنة بالصورة التقليدية. وثالثها بقاء الأثر الرقمي قابلاً للحفظ والتوثيق، فالنشر الإلكتروني لا يزول بمجرد الحذف. ولأن هذه العناصر متشابكة، فإن إعادة نشر محتوى أو مشاركته قد تُرتّب مسؤولية بدورها، وهو ما يفصّله المقال المخصّص لهذا الباب حول الجرائم الإلكترونية في القانون الأردني.

خامساً: العقوبات المقررة بصورة عامة

تختلف العقوبة باختلاف طبيعة الجريمة والجهة المعتدى عليها والوسيلة المستخدمة، وفهم هذا الاختلاف في حدوده العامة يكفي لإدراك حجم المخاطرة، دون أن يصلح أساساً لتقدير عقوبة واقعة بعينها.

في إطار قانون العقوبات، تتراوح عقوبة جرائم الذم والقدح والتحقير بين الحبس والغرامة، مع تشديدها إذا وقعت الجريمة بحق موظف عام أو هيئة رسمية أو سلطة عامة أثناء قيامها بوظيفتها. وشدّد المشرّع العقوبة كذلك عند المساس بجلالة الملك أو أفراد الأسرة المالكة نظراً للمكانة الدستورية الخاصة.

أما في إطار قانون الجرائم الإلكترونية، فقد اتجه المشرّع إلى تشديد ملحوظ نظراً لسهولة وصول المحتوى المسيء إلى أعداد كبيرة. فقد نصت المادة (15) على معاقبة كل من أرسل أو نشر أو أعاد نشر محتوى يتضمن ذماً أو قدحاً أو تحقيراً عبر الشبكة المعلوماتية أو وسائل التواصل الإلكتروني بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وبغرامة لا تقل عن عشرين ألف دينار ولا تزيد على أربعين ألف دينار. وأفرد القانون حماية خاصة من التشهير الإلكتروني، إذ نصت المادة (20) على معاقبة كل من استخدم الشبكة المعلوماتية أو أي نظام معلوماتي لتركيب أو تعديل أو فبركة صور أو تسجيلات صوتية أو مقاطع فيديو بقصد الإساءة إلى الغير أو التشهير به، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين، وبغرامة لا تقل عن خمسة وعشرين ألف دينار ولا تزيد على خمسين ألف دينار، أو بكلتا العقوبتين.

هذه الأرقام تبيّن جسامة المخاطرة، لكنها لا تنطبق آلياً على كل ملف؛ فتحديد النص المنطبق ومدى توافر شروط التشديد أو ظروف التخفيف يتفاوت بحسب وقائع القضية، وهو ما يحسمه المحامي بعد دراسة التكييف الصحيح للفعل.

سادساً: أحكام خاصة تتميز بها هذه الجرائم

تنفرد جرائم الذم والقدح والتحقير ببعض الأحكام التي تجعل مسارها مختلفاً عن سواها من الجرائم، ومعرفتها على وجهها العام تكشف لماذا تحتاج هذه الملفات إلى عناية مبكرة.

من ذلك أن إقامة الدعوى ترتبط في حالات عديدة باقتران الشكوى بالادعاء بالحق الشخصي، وأن دعوى الحق العام قد تسقط في بعض هذه الجرائم بإسقاط الحق الشخصي وفقاً لأحكام القانون. كذلك أجاز القانون لورثة المتوفى إقامة الدعوى إذا وقعت الإساءة على شخص متوفى، وأتاح الأخذ بالأعذار المخففة أو المسقطة للعقوبة متى توافرت شروطها القانونية.

هذه الأحكام تجعل التوقيت والصياغة الإجرائية بالغَي الأثر؛ فالتنازل في غير محله، أو التأخر في تحريك الشكوى، أو الإقرار غير المدروس، قد يغيّر مصير الملف على نحو يصعب تداركه. وهنا تجدر الإشارة إلى نمط التحذير الواقعي: لا تُدلِ بأي تصريح أو اعتذار مكتوب بشأن منشور محل خلاف قبل مراجعة محامٍ مختص، لأن ما يُكتب قد يُقرأ لاحقاً بوصفه إقراراً.

أسئلة متكررة

ما الفرق العملي بين الذم والقدح؟

الذم يقوم على إسناد واقعة محددة إلى الشخص تنال من شرفه، بينما القدح إساءة عامة بألفاظ أو أوصاف حاطّة دون نسبة واقعة بعينها. هذا التمييز يؤثر في التكييف القانوني وفي ما يجب إثباته، وتحديد الوصف الأدق لواقعة معينة من النقاط التي يقيّمها المحامي بعد الاطلاع على نص العبارة وسياقها.

هل كل منشور مسيء على وسائل التواصل يُعدّ جريمة؟

لا بالضرورة. قيام الجريمة يتطلب توافر الركن المادي والقصد الجرمي وتحقق العلنية بحسب الحالة، فضلاً عن انطباق النص القانوني على الواقعة. وقد تنتفي المسؤولية في صور معينة رغم وجود إساءة ظاهرة، وهي مسألة لا تُحسم بقراءة المنشور وحده.

كيف يغيّر قانون الجرائم الإلكترونية رقم 17 لسنة 2023 الموقف؟

يوسّع القانون نطاق الحماية ويشدّد العقوبات حين تقع الإساءة عبر الشبكة المعلوماتية، نظراً لسرعة الانتشار وسهولة بلوغ المحتوى أعداداً كبيرة. ويعالج صوراً خاصة كتركيب الصور أو التسجيلات أو فبركتها بقصد التشهير، ما يجعل البُعد الإلكتروني عاملاً مؤثراً في الوصف والعقوبة معاً.

هل تتحقق العلنية في مجموعة مغلقة أو محادثة محدودة؟

تقدير العلنية يتأثر بطبيعة المنصة ودائرة الوصول وظروف الواقعة، وقد يختلف تقييم النشر في مجموعة مغلقة محدودة عن النشر العام المفتوح للجمهور. وهذا التقدير بحد ذاته مسألة قانونية يحسمها المحامي بحسب معطيات كل ملف.

هل تسقط الدعوى الجزائية بالتنازل أو الصلح؟

في بعض هذه الجرائم قد تسقط دعوى الحق العام بإسقاط الحق الشخصي وفقاً لأحكام القانون، لكن ذلك مشروط ويختلف بحسب الوصف القانوني للفعل وظروف القضية. توقيت التنازل وصيغته من المسائل الدقيقة التي تستحق مراجعة قانونية قبل الإقدام عليها.

ماذا يدرس المحامي عند تقييم شكوى ذم أو قدح إلكتروني؟

ينظر المحامي في صياغة العبارة وسياقها، وفي تحقق العلنية ودائرة الانتشار، وفي توافر القصد الجرمي، وفي النص المنطبق ومدى توافر شروط التشديد أو ظروف التخفيف. ويختلف الموقف جوهرياً بين موقع المشتكي وموقع المشتكى عليه، وهو ما يستوجب تقييماً مبكراً لكلا الطرفين.

استشارة قانونية

جرائم الذم والقدح والتحقير والتشهير ملفات حساسة من الجهتين معاً: من جهة المتضرر الذي يواجه إساءة منتشرة قد يصعب احتواؤها ويحتاج إلى توثيق سليم وتحرك قانوني مدروس، ومن جهة المشتكى عليه الذي قد يواجه الحبس وغرامات تبلغ عشرات الآلاف من الدنانير بموجب قانون الجرائم الإلكترونية فيحتاج إلى دفاع متين منذ اللحظة الأولى. ولأن الفصل بين عبارة مباحة وجريمة معاقب عليها يتوقف على دقائق العلنية والقصد والوسيلة، فإن أي خطوة متعجلة، سواء كانت تصريحاً أو تنازلاً أو نشراً مضاداً، قد تغيّر مصير الملف على نحو يصعب تداركه؛ ويمكنكم للحصول على استشارة قانونية متخصصة في القضايا الجنائية أو الاطلاع على ما يتصل بالموضوع في الجرائم الإلكترونية في القانون الأردني والتعويض المدني عن الضرر في القانون الأردني التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة.

مقالات ذات صلة