جرائم التهديد في قانون العقوبات الأردني: الصور والأركان والعقوبات

جرائم التهديد في قانون العقوبات الأردني: الصور والأركان والعقوبات

راشد العبويني - محامي نظامي- شرعي
بقلم: راشد العبويني محامي نظامي- شرعي

لا تُقاس خطورة التهديد بما وقع فعلاً، بل بما زُرع في نفس المجني عليه من خوف وترقّب؛ ولهذا عدّه المشرّع اعتداءً على أمن الإنسان وطمأنينته وحريته النفسية، ونظّم أحكامه في المواد (349–354) من قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته، كما أفرد قانون الاتصالات نصاً خاصاً للتهديد والرسائل الموجهة بواسطة وسائل الاتصالات. والصعوبة العملية في هذه الملفات أنّ العبارة الواحدة قد تُقرأ تهديداً معاقباً عليه في سياق، وقولاً في ثورة غضب لا يرقى إلى النص في سياق آخر، وأنّ النص المنطبق والعقوبة المقررة يتغيّران بتغيّر الوسيلة ومضمون التهديد وجسامة الجريمة المتوعَّد بها. ولذلك فإنّ تكييف الواقعة قانونياً، سواء من موقع المشتكي أو من موقع المشتكى عليه، ليس عملاً لغوياً يُحسم بقراءة الرسالة، بل عمل محامٍ مختص يقرؤها في ضوء النصوص المتداخلة التي تحكم التهديد في القانون الأردني.

أولاً: مفهوم جريمة التهديد

التهديد هو كل قول أو فعل أو وسيلة من شأنها إلقاء الخوف والرعب في نفس المجني عليه، من خلال التوعد بإلحاق ضرر غير محق به أو ارتكاب جريمة بحقه.

وقد يقع التهديد بصورة مستقلة، وقد يكون وسيلة لارتكاب جريمة أخرى، كأن يقترن بالسرقة أو هتك العرض أو غيرها من الجرائم.

ولا يشترط لقيام جريمة التهديد أن يكون الجاني قادراً فعلاً على تنفيذ ما توعد به، إذ إن مناط التجريم هو طبيعة التهديد وأثره في نفس المجني عليه، متى توافرت العناصر التي يتطلبها النص القانوني.

والمصلحة التي يحميها القانون هنا هي طمأنينة الإنسان النفسية وحرية إرادته؛ فالتهديد يُصيب قدرته على أن يمضي في شأنه دون أن يحسب ما قد يُنزله به غيره. وهذا التوصيف يفسّر عملياً لماذا تكتمل الجريمة قبل وقوع أي ضرر مادي، ولماذا يبقى الفعل معاقباً عليه حتى لو تراجع الجاني عن تنفيذ ما توعد به.

ومن أدقّ ما ينظر فيه المحامي عند تقييم الملف وصف الضرر المتوعَّد به بأنه «غير محق»؛ إذ إنّ التلويح بمباشرة حق مقرّر قانوناً لا يقوم به الوصف الجرمي في ذاته، بينما التوعد بإنزال ضرر لا سند له يدخل في دائرة النصوص. والفصل بين الحالتين يقوم على قراءة العبارة في سياق العلاقة بين الطرفين وما سبقها وما تلاها، ولا يستقيم دون اطلاع محامٍ مختص على الملف بكامله.

ثانياً: صور التهديد

تتعدد صور التهديد، ومن أبرزها:

  1. التهديد بإشهار السلاح.
  2. التهديد بارتكاب جناية أو جنحة.
  3. التهديد الشفهي أو الكتابي.
  4. التهديد بواسطة شخص ثالث.
  5. التهديد بإلحاق ضرر غير محق بالمجني عليه.
  6. التهديد باستخدام وسائل الاتصالات والرسائل الإلكترونية.

ويُعتد في التهديد بالوسيلة التي استُخدمت وبمضمون التهديد وظروف الواقعة ومدى تأثيره في المجني عليه، وفقاً للنص القانوني المنطبق.

والقناة التي مرّ بها التهديد أحد مفاتيح التكييف في هذه الجرائم. فالمشرّع لم يسوِّ بين اللفظ الذي يُقال في مواجهة المجني عليه، والكتابة المقفلة التي تصله، والرسالة التي تُنقل إليه بواسطة شخص ثالث، والتهديد الذي يُبَثّ إليه عبر وسائل الاتصالات. ولكلّ قناة من هذه القنوات موقعها في النصوص، ومن ثم عقوبتها ومسار إثباتها المختلف. ولهذا يبدأ المحامي من سؤال يسبق ما عداه: بأي طريق وصل التهديد، وما الدليل الباقي على ذلك الطريق.

ثالثاً: أركان جريمة التهديد

الركن القانوني

يقوم الركن القانوني على وجود نص يجرّم فعل التهديد ويقرر له عقوبة، وقد نظم قانون العقوبات الأردني صور التهديد في المواد (349 إلى 354).

الركن المادي

يتحقق الركن المادي بقيام الجاني بفعل أو قول أو استخدام وسيلة من شأنها إحداث الخوف أو الرعب لدى المجني عليه، سواء وقع التهديد بالقول أو الكتابة أو بواسطة شخص آخر أو بإشهار السلاح.

الركن المعنوي

تقوم جريمة التهديد على القصد الجرمي، أي علم الجاني بطبيعة فعله واتجاه إرادته إلى القيام بالسلوك الذي من شأنه التأثير في المجني عليه وإلقاء الخوف في نفسه.

ولا يشترط أن يكون الدافع إلى التهديد هو الانتقام أو الحصول على المال؛ فالعبرة بتوافر عناصر الجريمة وقصد الجاني إلى إصدار التهديد، وليس بالبواعث الشخصية التي دفعته إليه.

وهذا التمييز بين القصد والباعث موضع خلاف متكرر في هذه الملفات؛ فكثيراً ما يُدفع بأنّ العبارة قيلت مزاحاً أو في خصومة عابرة أو تحت استفزاز، وهي دفوع تتصل بالباعث والسياق لا بانعدام القصد بالضرورة. وترتيب هذه الدفوع، وتحديد ما إذا كانت تنتهي إلى انتفاء القصد أم يقتصر أثرها على تخفيف الظروف، مما يبنيه المحامي على مجموع الأدلة لا على العبارة منفردة.

رابعاً: التهديد بإشهار السلاح

نصت المادة (349) من قانون العقوبات الأردني على تجريم التهديد بإشهار السلاح، وجاء فيها:

«من هدد آخر بشهر السلاح عليه، عوقب بالحبس مدة لا تتجاوز الستة أشهر.»

وإذا كان السلاح نارياً واستعمله الفاعل، تكون العقوبة بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وفق النص.

ويشترط في هذه الصورة أن يكون هناك إشهار للسلاح بصورة تجعل المجني عليه يدرك أنه مهدد به، مع مراعاة ظروف الواقعة ووسيلة التهديد. وواقعياً، تدور المنازعة في هذه الصورة حول ما إذا كان ما جرى إشهاراً للسلاح على وجه يُفهم منه التهديد، أم مجرد وجود للسلاح في مكان الواقعة دون توجيهه؛ وهو فارق دقيق يقوم على شهادات الحاضرين ومعاينة المكان وتسلسل الوقائع.

خامساً: التهديد بارتكاب جناية

عالجت المادة (350) من قانون العقوبات حالة التوعد بارتكاب جناية عقوبتها الإعدام أو الأشغال المؤبدة أو الأشغال المؤقتة لمدة خمس عشرة سنة، إذا وقع التهديد بواسطة كتابة مقفلة أو بواسطة شخص ثالث، وكان متضمناً أمراً بإجراء عمل ولو كان مشروعاً أو الامتناع عنه.

وعاقب النص على هذه الصورة بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات.

أما المادة (351) فقد عالجت حالة التهديد الشفهي، حيث قررت العقوبة بالحبس من شهر إلى سنتين في الحالات التي حددها النص وبناءً على شكوى المتضرر.

ويلاحظ في هذه الصورة عنصر يغيب عن أذهان كثيرين، وهو اقتران التهديد بأمر للمجني عليه بأن يفعل أو يمتنع. فحين يُستخدم التوعد لحمل الشخص على سلوك معيّن، يتحول التهديد من مجرد ترويع إلى وسيلة قهر لإرادة الغير، وهو ما يفسّر تدرّج العقوبة صعوداً في هذه الحالة. وقياس هذا العنصر على وقائع ملف بعينه، وبيان ما إذا كانت العبارة انطوت على أمر بهذا المعنى أم لم تنطوِ، من النقاط التي يقف عندها محامٍ مختص قبل أي خطوة.

سادساً: التهديد بجناية أخف أو بجنحة

نصت المادة (352) على معاقبة التهديد بجناية أخف من الجنايات الواردة في المادة (350)، إذا وقع بإحدى الوسائل المبينة فيها، وذلك بناءً على شكوى المتضرر، بالعقوبة التي حددها النص.

كما نصت المادة (353) على معاقبة التهديد بجنحة إذا تضمن أمراً ووقع كتابة أو بواسطة شخص ثالث، وبناءً على شكوى المتضرر، بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر.

ويتبيّن من تتابع هذه النصوص أنّ المشرّع بنى سلّماً متدرجاً، أعلاه التوعد بأشد الجنايات وأدناه التوعد بضرر غير محق لا يبلغ وصف الجريمة، وبينهما مراتب تتحدد بجسامة ما تُوعّد به المجني عليه وبالوسيلة التي وصل بها التوعد وبوجود الأمر أو غيابه. وتحديد الدرجة التي تنزل عليها الواقعة هو جوهر العمل القانوني في هذه الملفات.

سابعاً: التهديد بإنزال ضرر غير محق

جاءت المادة (354) من قانون العقوبات الأردني لتشمل صور التهديد التي لا تدخل ضمن الحالات السابقة، ونصت على معاقبة كل تهديد آخر بإنزال ضرر غير محق، إذا حصل بالقول أو بإحدى الوسائل المذكورة في المادة (73)، وكان من شأنه التأثير في نفس المجني عليه تأثيراً شديداً.

وتكون الملاحقة بناءً على شكوى المتضرر، والعقوبة وفق النص هي الحبس حتى أسبوع أو الغرامة التي حددها القانون.

ويستوقف الممارس في هذا النص قيدان: أن يكون الضرر المتوعَّد به «غير محق»، وأن يكون التهديد من شأنه التأثير في نفس المجني عليه «تأثيراً شديداً». والقيد الثاني هو ما يُعرف عملياً بمعيار جدّية التهديد، ومناطه أن يكون القول صالحاً في ذاته وفي ملابساته لإحداث ذلك الأثر، لا مجرد شعور المجني عليه بالانقباض منه. وتقدير الجدّية على هذا النحو من أصعب ما يُبنى عليه الموقف، لأنه يجمع بين مضمون العبارة وشخص قائلها وعلاقته بالمجني عليه.

ثامناً: التهديد عبر وسائل الاتصالات

لم يقتصر التجريم على التهديد التقليدي، وإنما شمل التهديد الذي يتم باستخدام وسائل الاتصالات.

فقد نصت المادة (75) من قانون الاتصالات على معاقبة من يقدم، بأي وسيلة من وسائل الاتصالات، على توجيه رسائل تهديد أو إهانة أو رسائل منافية للآداب أو نقل خبر مختلق بقصد إثارة الفزع، بالعقوبة التي حددها النص، والتي تشمل الحبس من شهر إلى سنة أو الغرامة من 300 إلى 2000 دينار أو كلتا العقوبتين.

وعليه، فإن إرسال رسالة تهديد عبر الهاتف أو وسائل الاتصال قد يرتب مسؤولية جزائية مستقلة وفق النص الخاص، بحسب طبيعة الواقعة والنص القانوني الواجب التطبيق. ويختلف هذا المسار عن مسار التجريم الوارد في تشريع الجرائم الإلكترونية، الذي يقوم بذاته وله جهاته وأدلته الخاصة، وهو موضوع مستقل يُراجع تفصيله في مادة الجرائم الإلكترونية في القانون الأردني. والمسألة التي تُحسم أولاً في ملفات التهديد الرقمي ليست مضمون الرسالة، بل نسبتها إلى مُرسلها وسلامة الدليل الذي يحملها، وهي مسألة تقنية وقانونية في الوقت ذاته يقيّمها المحامي مبكراً.

ملاحظة عملية: الغرامات والحدود الواردة في النصوص الخاصة، ولا سيما في تشريعات الاتصالات، تتبدّل بمقتضى قوانين معدّلة، ويظل النص الواجب التطبيق هو النافذ وقت وقوع الفعل لا وقت الشكوى؛ ولذلك يستند المحامي في بناء الموقف إلى النسخة النافذة زمن الواقعة، وهي نقطة لا يُكتفى فيها بالأرقام المتداولة دون مراجعة الملف أو استشارة محامٍ مختص.

تاسعاً: هل يشترط أن يكون الجاني قادراً على تنفيذ تهديده؟

الأصل أن قيام المسؤولية عن التهديد لا يتوقف بمجرده على قدرة الجاني الفعلية على تنفيذ ما توعد به، وإنما ينظر إلى طبيعة التهديد والوسيلة المستخدمة ومضمونه والظروف المحيطة به ومدى صلاحيته لإحداث الأثر الذي يتطلبه النص القانوني.

لذلك، فإن عبارة التهديد لا تُقيّم بمعزل عن ظروف الواقعة، وإنما تبحث المحكمة في مجمل الأدلة والملابسات للوصول إلى حقيقة قصد الجاني وطبيعة الفعل المرتكب.

وهنا يقع أحد أكثر التصورات الخاطئة شيوعاً بين المتقاضين، إذ يُظنّ أنّ إثبات استحالة تنفيذ ما توعد به الجاني كافٍ بذاته لإسقاط الوصف الجرمي. والواقع أنّ استحالة التنفيذ قد تكون عنصراً في تقدير جدّية التهديد وأثره، لكنها ليست دفعاً حاسماً بمجرده، وترتيبها في بناء الموقف من المسائل التي يحسمها المحامي بعد الاطلاع على الملف.

عاشراً: التهديد جريمةً مستقلة أو عنصراً في جريمة أخرى

قد يكون التهديد جريمة قائمة بذاتها، وقد يكون في الوقت ذاته وسيلة أو عنصراً من عناصر جريمة أخرى.

وفي هذا السياق، قضت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية في الحكم رقم 2885 لسنة 2020 بأن التهديد بإشهار أداة حادة، متى كان قد شكل عنصراً من عناصر جناية هتك العرض بالتهديد، لا تتم معاقبة المتهم عنه كجريمة مستقلة، باعتبار أن التهديد كان داخلاً في تكوين الجريمة الأخرى.

ويؤكد ذلك أهمية تحديد العلاقة بين التهديد والجرائم الأخرى المرتكبة في الواقعة نفسها، منعاً للازدواج في التجريم والعقاب عن الفعل ذاته.

وأثر هذا التمييز يمتد إلى الجرائم التي يدخل الإكراه في تكوينها أصلاً، ومنها جريمة السلب في الطريق العام، حيث يُنظر إلى التهديد باعتباره الوسيلة التي تحقّق بها ركن الجريمة الأصلية لا واقعة منفصلة تُلاحق استقلالاً. ولتحرير هذه العلاقة في بداية الملف أثر مباشر على عدد الأوصاف الجرمية المسندة وعلى مآل العقوبة، ولذلك يُعدّ من أوّل ما يثيره محامٍ مختص عند مراجعة قرار الاتهام.

حادي عشر: جدول تمييزي بين مسارات المسؤولية في التهديد

يخلط كثير من المتقاضين بين ثلاث حالات مختلفة الأحكام تماماً، والجدول التالي يفرّق بينها:

وجه المقارنة التهديد جريمةً مستقلة التهديد عنصراً في جريمة أخرى التهديد بواسطة وسائل الاتصالات
النص الحاكم المواد (349–354) من قانون العقوبات نص الجريمة الأصلية التي دخل التهديد في تكوينها المادة (75) من قانون الاتصالات
القناة المعتبرة القول، أو الكتابة المقفلة، أو التوسّط بشخص ثالث، أو إشهار السلاح الوسيلة التي تحقّق بها الإكراه في الجريمة الأصلية أي وسيلة من وسائل الاتصالات، ومنها الرسائل والمكالمات
تدرّج الجسامة يتدرّج بحسب جسامة الجريمة المتوعَّد بها ووجود الأمر، من الحبس حتى أسبوع إلى الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات يُستغرق في عقوبة الجريمة الأصلية ولا يُعاقب عنه استقلالاً الحبس من شهر إلى سنة أو الغرامة من 300 إلى 2000 دينار أو كلتا العقوبتين
المسألة الواقعية الفاصلة هل توافرت عناصر النص الخاص المنطبق من حيث الوسيلة والمضمون وجسامة ما تُوعّد به؟ هل كان التهديد داخلاً في تكوين الجريمة الأخرى أم منفصلاً عنها؟ هل ثبتت نسبة الرسالة إلى مُرسلها وسلامة دليلها؟
قيد الملاحقة شكوى المتضرر في عدد من الصور يتبع الجريمة الأصلية وفق النص الخاص

ثاني عشر: ما يدققه المحامي في ملف التهديد

العمل القانوني في هذه الملفات لا يبدأ من نص العقوبة، بل من تثبيت الواقعة على النحو الذي يسمح بقراءتها في ضوء النص الصحيح. ومن أبرز ما ينظر فيه المحامي:

  • الدليل الحامل للتهديد، من رسائل ومكالمات وشهادات، ومدى صلاحيته للاستناد إليه؛ فأدلة التهديد الرقمية من أسرع الأدلة إلى الزوال بحكم طبيعتها ووسائط تخزينها.
  • وصف الضرر المتوعَّد به، وما إذا كان يدخل في معنى «الضرر غير المحق» أم يقع في دائرة التلويح بمباشرة حق.
  • جدّية التهديد وأثره، بالمعيار الذي تتطلبه النصوص، لا بالانطباع الشخصي.
  • القناة التي وصل بها التوعد، لأنها هي ما ينقل الواقعة من نص إلى نص وتُغيّر العقوبة معها.
  • علاقة التهديد بما عداه من أفعال في الواقعة نفسها، منعاً لازدواج الأوصاف الجرمية أو لسقوط وصف كان ينبغي إسناده.
  • قيد الشكوى وتوقيتها، لأن عدداً من صور التهديد علّق المشرّع الملاحقة فيها على شكوى المتضرر.

وتحديد الجهة التي تُقدَّم إليها الشكوى وترتيب الإجراء الأنسب يختلفان بحسب صورة التهديد ووسيلته ومدى الحاجة إلى إجراء عاجل يحفظ الدليل، وهو نفسه نقطة قانونية تستحق استشارة قبل الشروع في أي خطوة.

ومن جهة المشتكى عليه، ثمة قاعدة عملية يترتب على إغفالها أثر يصعب تداركه: لا تُدلِ بأي تصريح أو إيضاح عن مضمون رسالة أو عبارة منسوبة إليك قبل عرض الملف على محامٍ مختص، ولا توقّع على محضر لم تُقرأ عليك عباراته بدقّة؛ فما يُسجَّل في الساعات الأولى يرافق الملف إلى آخر درجاته.

ثالث عشر: أسئلة متكررة

هل تقوم جريمة التهديد إذا كان الجاني غير قادر على تنفيذ ما توعّد به؟

لا تتوقف المسؤولية بمجردها على القدرة الفعلية على التنفيذ، وإنما يُنظر إلى طبيعة التهديد ووسيلته ومضمونه والظروف المحيطة به. وترتيب أثر استحالة التنفيذ في بناء الموقف تكييف يحسمه المحامي بعد الاطلاع على الملف.

ما الفرق بين التهديد الشفهي والتهديد الكتابي في العقوبة؟

فرّق المشرّع بينهما تفريقاً واضحاً؛ فالتهديد الشفهي عالجته المادة (351) بالحبس من شهر إلى سنتين في الحالات التي حددها النص وبناءً على شكوى المتضرر، بينما التوعد بجناية جسيمة إذا وقع بكتابة مقفلة أو بواسطة شخص ثالث وتضمن أمراً عاقبت عليه المادة (350) بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات.

هل تُعدّ رسالة التهديد عبر الهاتف جريمة مستقلة؟

قد ترتب مسؤولية جزائية وفق المادة (75) من قانون الاتصالات، التي تشمل عقوبتها الحبس من شهر إلى سنة أو الغرامة من 300 إلى 2000 دينار أو كلتا العقوبتين، بحسب طبيعة الواقعة والنص الواجب التطبيق.

هل يُعاقب المتهم عن التهديد وعن الجريمة الأخرى معاً؟

قضت محكمة التمييز الأردنية بصفتها الجزائية في الحكم رقم 2885 لسنة 2020 بأن التهديد لا يُعاقب عنه كجريمة مستقلة متى كان قد شكل عنصراً من عناصر الجريمة الأخرى. وتحرير هذه العلاقة عمل فنّي يقوم به المحامي عند مراجعة الأوصاف المسندة إلى موكّله.

هل تتوقف الملاحقة في جرائم التهديد على شكوى المتضرر؟

علّق المشرّع الملاحقة على شكوى المتضرر في عدد من صور التهديد، وهو ما نصّت عليه المواد (351) و(352) و(353) و(354) في الحالات التي بيّنتها. وتحديد الصورة المنطبقة على الواقعة يسبق أي إجراء، وهو ما يقيّمه المحامي قبل تقديم الشكوى أو الرد عليها.

هل يشترط أن يكون الدافع إلى التهديد هو الانتقام أو الحصول على المال؟

لا يشترط ذلك. فالعبرة بتوافر عناصر الجريمة وقصد الجاني إلى إصدار التهديد، لا بالبواعث الشخصية التي دفعته إليه.

ما أهمية حفظ الرسائل والمحادثات في ملف التهديد؟

الدليل الرقمي الحامل للتهديد سريع الزوال بحكم طبيعته، وفقدُه يُفرغ الملف من مؤيداته. وتقدير ما يصلح من هذه المواد للاستناد إليه وكيفية تثبيته من أوّل ما يعمل عليه المحامي في الساعات الأولى.

استشارة قانونية

ملفات التهديد من أكثر الملفات التي يُخطئ الطرفان في تقدير حجمها؛ فمن جهة المجني عليه تُهمل رسالة تُعدّ دليلاً كاملاً فتضيع، ومن جهة المشتكى عليه تُقرأ عبارة عابرة في أضيق تكييف ممكن فيُفاجأ بوصف جرمي أشد مما توقّع. والفارق بين حبس لا يتجاوز أسبوعاً وحبس يمتد إلى ثلاث سنوات لا يقوم على مضمون العبارة وحده، بل على الوسيلة والأمر وجسامة ما تُوعّد به وقيد الشكوى وتوقيتها، وهي عناصر تُحسم في الأيام الأولى ويصعب تصحيح مسارها بعد أن يستقرّ المحضر. وللحصول على استشارة قانونية متخصصة في القضايا الجنائية، أو لمراجعة ما يتصل بهذا الموضوع في جريمة الذم والقدح والتحقير في القانون الأردني والحق العام والحق الشخصي في القانون الأردني وجريمة الإيذاء في قانون العقوبات الأردني، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة.

مقالات ذات صلة