الحق العام والحق الشخصي في القانون الأردني: الفرق وأثر الإسقاط

الحق العام والحق الشخصي في القانون الأردني: الفرق وأثر الإسقاط

راشد العبويني - محامي نظامي- شرعي
بقلم: راشد العبويني محامي نظامي- شرعي

حين تقع جريمة في الأردن، لا تنشأ عنها دعوى واحدة بل دعويان تسيران في ملف واحد: دعوى عامة تمثّل المجتمع وتملكها النيابة العامة، ودعوى شخصية يملكها المتضرر ويطالب فيها بالتعويض. والتمييز بينهما مستمدّ من قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته ومن قانون أصول المحاكمات الجزائية، وهو أخطر تمييز عملي في القضايا الجزائية لأنّ الخلط فيه يُبنى عليه قرار مالي وقانوني لا رجعة فيه. فكل عام تُدفع مبالغ صلح على أساس اعتقاد بأنّ التنازل ينهي القضية، ثم يصدر الحكم بالعقوبة رغم ذلك. ولأنّ الإجابة الدقيقة تختلف باختلاف تكييف الجريمة نفسها، فإنّ عرض الملف على محامٍ جزائي مختص يسبق أيّ تنازل أو اتفاق.

أولاً: ما هو الحق العام وما هو الحق الشخصي

الحق العام هو حق المجتمع في معاقبة الجاني. القانون لا ينظر إلى الجريمة باعتبارها اعتداءً على شخص بعينه فحسب، بل خرقاً للنظام العام، ولذلك تتولّى النيابة العامة تحريك الدعوى ومتابعتها بصفتها ممثلة المجتمع لا وكيلة عن المتضرر. وثمرة هذا الحق هي العقوبة: حبس أو أشغال أو غرامة جزائية.

الحق الشخصي هو حق المتضرر في التعويض عمّا أصابه من ضرر مادي ومعنوي. ويستطيع المتضرر أن يطالب به ضمن الدعوى الجزائية نفسها بدلاً من رفع دعوى مدنية مستقلة، فيصبح طرفاً إجرائياً في القضية له صفة ومحامٍ وحقّ في الاطلاع والطعن. وثمرة هذا الحق مبلغ مالي، لا عقوبة.

القاعدة التي يترتب عليها كلّ ما يلي: الحقّان مملوكان لجهتين مختلفتين. المتضرر يملك حقه الشخصي فيتصرف به كيف شاء، ولا يملك الحق العام فلا يستطيع التنازل عمّا ليس له.

ثانياً: لماذا لا يُنهي إسقاط الحق الشخصي الدعوى الجزائية

هذا هو السؤال الذي يصل به أكثر الناس إلى هذه الصفحة، والإجابة المبدئية أنّ إسقاط الحق الشخصي لا يُسقط الحق العام كقاعدة عامة.

سبب ذلك منطقي: إذا كانت الدعوى العامة مقامة باسم المجتمع، فلا يملك المتضرر إنهاءها لأنّه ليس صاحبها. تنازله ينصرف أثره إلى ما يملكه وحده، أي المطالبة بالتعويض. أمّا الملاحقة الجزائية فتستمر بيد النيابة العامة، وقد ينتهي الملف إلى إدانة وعقوبة رغم أنّ المتضرر قد صالح وتنازل ورضي.

وهنا يقع الخطأ المكلف: عائلة تدفع مبلغاً كبيراً مقابل تنازل تظنّه إنهاءً للقضية، فتخسر المال ويبقى المتهم أمام المحاكمة. والصلح في ذاته ليس خطأً، بل الخطأ في الاعتقاد بما يشتريه.

ملاحظة عملية: القاعدة العامة في القانون الأردني أنّ الدعوى العامة لا تنقضي بإسقاط الحق الشخصي، غير أنّ المشرّع أورد على ذلك استثناءات محدّدة بنصوص خاصة تتصل بطوائف معيّنة من الجرائم. وتحديد ما إذا كانت الواقعة تندرج ضمن تلك الطوائف تكييف قانوني يستخلصه المحامي من أوراق الملف والتهمة المسندة تحديداً، لا من التسمية الشائعة للجريمة، وهي نقطة يُحسم أمرها بمراجعة الملف أو استشارة محامٍ مختص قبل توقيع أيّ تنازل.

ثالثاً: مقارنة عملية بين الحقّين

وجه المقارنة الحق العام الحق الشخصي
صاحب الحق المجتمع، وتمثّله النيابة العامة المتضرر أو ورثته
ما يُطلب فيه العقوبة الجزائية التعويض المادي والمعنوي
من يحرّكه النيابة العامة بحكم وظيفتها المتضرر بادّعاء شخصي
قابلية التنازل لا يملك المتضرر التنازل عنه قابل للتنازل في أيّ مرحلة
أثر التنازل عليه لا يوقفه في الأصل، وقد يُعدّ ظرفاً مخفّفاً ينهي المطالبة المالية
مستوى الإثبات المطلوب جزائي، يقوم على اليقين مدني، يكفي فيه رجحان الأدلة
من ينفّذ النتيجة النيابة العامة تنفّذ العقوبة دائرة التنفيذ تحصّل المبلغ

الجدول يضبط المفاهيم، لكنّه لا يُغني عن قراءة الملف. فالسؤال الحقيقي في كلّ قضية ليس «ما الفرق بين الحقين» بل «أيّ الحقين يملك الطرف الآخر في هذه التهمة تحديداً»، وهو سؤال لا يُجاب عليه من عنوان الجريمة.

رابعاً: أين يتغيّر الأثر باختلاف نوع الجريمة

ليست الجرائم على درجة واحدة في علاقتها بإرادة المتضرر، ويمكن تصنيفها من هذه الزاوية إلى طائفتين عامتين:

جرائم تتحرّك فيها الدعوى العامة تلقائياً. وهي الأصل والغالب. متى بلغت الواقعة السلطات من أيّ طريق، بدأت الملاحقة دون توقف على موقف المتضرر، ولا يوقفها سحب الشكوى ولا التنازل. وفي هذه الطائفة تدخل عادةً الجرائم التي يعدّها المشرّع ماسّة بالنظام العام أو الجسيمة في أثرها.

جرائم علّق فيها المشرّع الملاحقة على إرادة المتضرر. وهي طائفة محدودة أوردها القانون بنصوص خاصة، يكون فيها لموقف المتضرر أثر على مسار الدعوى العامة نفسها، لا على التعويض فحسب.

والخطر العملي هنا أنّ الناس يحدّدون طائفة جريمتهم من اسمها الدارج، بينما المعوّل عليه هو المادة القانونية التي أُسندت إليها التهمة فعلاً في قرار الاتهام، وهي قد تختلف عمّا يتصوّره الأطراف. فالواقعة الواحدة قد تُكيَّف أكثر من تكييف بحسب ظروفها وصفة أطرافها، ويتغيّر بتغيّر التكييف كلّ ما يليه. تحديد التكييف الصحيح للتهمة هو نفسه نقطة قانونية تستحق استشارة قبل الدخول في أيّ مفاوضة صلح، لأنّه يحدّد ما إذا كان للتنازل قيمة أصلاً.

وقد أفردنا لعدد من هذه الجرائم مقالات مستقلة تشرح أركانها وتكييفها، منها جريمة السرقة في قانون العقوبات الأردني وجريمة الاحتيال وفقاً لقانون العقوبات الأردني وجريمة الافتراء في القانون الأردني. أمّا التطبيق التفصيلي لهذا التمييز في جرائم العرض فقد عالجناه في الحق العام والحق الشخصي في قضايا هتك العرض.

خامساً: ما الذي يشتريه التنازل فعلاً

حين لا يُسقط التنازل الدعوى العامة، يبقى له أثر لا يُستهان به، لكنّه أثر مختلف عمّا يتوقعه الناس.

الأثر الأول أنّه ينهي المطالبة المالية، فلا يُحكم بتعويض بعد الإسقاط. والأثر الثاني، وهو الأهم عملياً، أنّ موقف المتضرر قد يُؤخذ في الاعتبار عند تقدير العقوبة ضمن الحدود التي رسمها القانون. فسلطة تقدير العقوبة بين حدّها الأدنى والأعلى متروكة لقاضي الموضوع، وموقف المتضرر أحد ما قد يُبنى عليه في هذا التقدير.

لكنّ هذا الأثر ليس مضموناً ولا آلياً، ولا يُشترى بمجرد ورقة تنازل. الفرق بين تنازل يُنتج أثراً مخفّفاً وتنازل لا يُغيّر شيئاً يكمن في توقيته، وفي الصيغة التي أُفرغ فيها، وفي المرحلة التي بلغتها الدعوى حين وقع، وفي كيفية عرضه على المحكمة. وهذه كلها مسائل يديرها المحامي، ولا تظهر لغير المختص أصلاً.

سادساً: هل يتنازل القاضي عن الحق العام؟

يتردّد هذا السؤال كثيراً، وفيه خلط يستحق التصحيح: القاضي لا يملك التنازل عن الحق العام، والنيابة العامة لا تتصرّف به تصرّف المالك. الحق العام ليس ملكاً لأحد من أطراف الدعوى حتى يتنازل عنه.

ما يقع فعلاً هو أمر مختلف. فالدعوى العامة قد تنقضي لأسباب قانونية حدّدها المشرّع، وقد تنتهي المحاكمة إلى عدم مسؤولية أو براءة، وقد تُقدَّر العقوبة في حدّها الأدنى لظروف رآها القاضي. وكلّ هذه نتائج قانونية لها أسبابها ومقتضياتها، وليست تنازلاً ولا مجاملة. والفرق بين الأمرين ليس لفظياً: من يظنّ أنّ الأمر متروك للمزاج يتصرف تصرفاً خاطئاً، ومن يعرف أنّه محكوم بأسباب قانونية يبني موقفه على تلك الأسباب.

سابعاً: الادعاء بالحق الشخصي من جانب المتضرر

في الجهة المقابلة، يقف المتضرر أمام قرار لا يقلّ أهمية: هل يدّعي بالحق الشخصي ضمن الدعوى الجزائية أم يكتفي بالشكوى؟

الادعاء بالحق الشخصي يمنحه صفة الطرف، وما يترتب عليها من إمكان الاطلاع على الملف وحضور الإجراءات والطعن في الأحكام. لكنّه في المقابل يضعه في موقع من يطالب بمال، وهو موقع قد يُستثمر ضدّه في بناء الدفاع.

ومن الاعتبارات التي يزنها المحامي قبل اتخاذ هذا القرار: حجم الضرر القابل للإثبات ومدى ملاءمة استيفائه ضمن الدعوى الجزائية بدل دعوى مدنية لاحقة، وما إذا كانت صفة الطرف ستقوّي موقف المتضرر أم تكشفه، وأثر ذلك على احتمالات التسوية ووزنها. وهذا تقدير يختلف من ملف إلى آخر ولا يُبنى على قاعدة عامة.

ثامناً: أسئلة متكررة

هل إسقاط الحق الشخصي يسقط الحق العام؟

القاعدة العامة أنّه لا يُسقطه. التنازل ينهي المطالبة بالتعويض، وتستمر النيابة العامة في ملاحقة الحق العام. وقد أورد المشرّع استثناءات محدّدة بنصوص خاصة على طوائف معيّنة من الجرائم، وتحديد ما إذا كانت التهمة تندرج ضمنها تكييف قانوني يُستخلص من أوراق الملف.

كم مدة سجن الحق العام؟

لا توجد «مدة سجن للحق العام» بوصفه عقوبة مستقلة، وهذا من أكثر المفاهيم شيوعاً وخطأً. الحق العام هو صفة الدعوى التي تحرّكها النيابة، أمّا مدة العقوبة فيحدّدها النصّ الخاص بالجريمة المسندة وظروفها المشدّدة أو المخفّفة وسلطة قاضي الموضوع في التقدير.

هل يستفيد المتهم من الصلح في تخفيف العقوبة؟

قد يُؤخذ موقف المتضرر في الاعتبار عند تقدير العقوبة ضمن حدّيها الأدنى والأعلى، لكنّه ليس سبباً قانونياً لإسقاطها، وأثره غير مضمون ويتوقف على توقيت الصلح وصيغته والمرحلة التي بلغتها الدعوى.

متى يمكن التنازل عن الحق الشخصي؟

التنازل ممكن في مراحل الدعوى المختلفة، لكنّ أثره العملي يختلف باختلاف المرحلة التي يقع فيها. والتوقيت هنا ليس تفصيلاً إجرائياً بل عنصر يؤثر في النتيجة، ولذلك يُدرس قبل الإقدام عليه.

هل يستطيع المتهم مطالبة المتضرر بإعادة مبلغ الصلح إذا استمرت القضية؟

هذه مسألة مدنية مستقلة تتوقف على ما اتفق عليه الطرفان وعلى الصيغة التي وُثّق بها الاتفاق. وهي من أبرز أسباب النزاعات اللاحقة حين يُبرم الصلح دون صياغة قانونية دقيقة.

هل يحتاج المتضرر إلى محامٍ ما دامت النيابة العامة تلاحق الجاني؟

النيابة العامة تمثّل المجتمع لا المتضرر. فإذا أراد المتضرر التعويض، أو الاطلاع على الملف، أو حماية موقفه من ضغوط التسوية، فإنّ ذلك يقتضي محامياً يمثّله هو تحديداً.

هل يختلف الأمر إذا كان المتضرر قاصراً؟

نعم، فالتصرف بالحق الشخصي حين يتعلق بقاصر تحكمه قواعد خاصة تتصل بالولاية والوصاية وبمصلحة القاصر، ولا يقع بمجرد رضا ذويه.

استشارة قانونية

الخلط بين الحق العام والحق الشخصي هو أكثر ما يكلّف الأطراف في القضايا الجزائية الأردنية: من جهة المتهم وذويه، قد يُدفع مبلغ صلح كبير مقابل تنازل لا يوقف المحاكمة أصلاً؛ ومن جهة المتضرر، قد يُفرَّط بحقّ في التعويض تحت ضغط اجتماعي دون إدراك أنّ الملاحقة الجزائية كانت ستستمر على أيّ حال. وبما أنّ الإجابة تتغيّر بتغيّر التكييف القانوني للتهمة لا باسم الجريمة الدارج، فإنّ قراءة قرار الاتهام قراءة صحيحة هي ما يحدّد قيمة أيّ تسوية قبل توقيعها. للحصول على استشارة قانونية متخصصة في القضايا الجنائية، أو للاطلاع على مقالاتنا ذات الصلة في الحق العام والحق الشخصي في قضايا هتك العرض وجريمة السرقة في قانون العقوبات الأردني، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة.

مقالات ذات صلة

الحق العام والحق الشخصي في قضايا هتك العرض في القانون الأردني

الحق العام والحق الشخصي في قضايا هتك العرض في القانون الأردني

في قضايا هتك العرض، تجتمع دعويان في ملف واحد: دعوى عامة تمثّل المجتمع وتحرّكها النيابة، ودعوى شخصية تخصّ المجني عليه. مقال قانوني أردني يفصّل الفرق بينهما، أثر التنازل، وحدود المصالحة بعد إلغاء المادة 308.

اقرأ المزيد
الدعاوى العمالية من جانب صاحب العمل: المسؤولية والدفوع

الدعاوى العمالية من جانب صاحب العمل: المسؤولية والدفوع

حين يقاضي عامل منشأته، لا يكون محلّ الخطر المبلغ المطالب به وحده بل ما يترتب على الحكم من أثر يمتدّ إلى بقية العاملين. مقال يشرح نطاق مسؤولية صاحب العمل وأين تُخسر ملفات الدفاع العمالي.

اقرأ المزيد
الدعوى المستعجلة في القانون الأردني: شروطها وأحكامها وحجية الحكم فيها

الدعوى المستعجلة في القانون الأردني: شروطها وأحكامها وحجية الحكم فيها

تنظم المادة (60) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني الدعوى المستعجلة غير الخاضعة لتبادل اللوائح. يوضح المقال حالاتها، والفرق بينها وبين القضاء المستعجل، وحجية الحكم الصادر فيها، ولماذا يُحسم تكييفها بمحامٍ مختص.

اقرأ المزيد