الشيك بدون رصيد في القانون الأردني: العقوبة بعد تعديل 2022 ومسارات حامل الشيك
الشيك المرتجع في الأردن لم يعد ملفاً واحداً بنتيجة واحدة، فالورقة نفسها قد تكون جريمة يُلاحَق بها الساحب، أو ديناً مدنياً لا حبس فيه، بحسب تاريخ إصدارها وشكلها وطريقة تقديمها. فالمادة (421) من قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته تعاقب على إصدار الشيك بدون رصيد، غير أن القانون المعدّل لقانون العقوبات رقم (10) لسنة 2022 أضاف إليها فقرة تمنع سريانها على الشيكات الصادرة بعد ثلاث سنوات من نفاذه. وقد شاع وصف هذا التعديل بأنه «إلغاء لعقوبة الحبس في قضايا الشيكات»، مع أنه لم يمسّ الشيكات الصادرة قبل ذلك، ولم يُسقط الدين في أيٍّ منها. ولهذا فإن قراءة محامٍ مختص لتاريخ الشيك وبياناته، قبل أي شكوى أو طلب تنفيذ، هي التي تحدد المسار المتاح لحامله والخطر الحقيقي على ساحبه.
أولاً: ماذا بقي من عقوبة الشيك بدون رصيد بعد تعديل 2022
أضاف القانون المعدّل رقم (10) لسنة 2022 إلى المادة (421) فقرة ثامنة تنص على أن أحكام المادة لا تسري على الشيكات الصادرة بعد ثلاث سنوات من نفاذ أحكام القانون المعدّل، ونصّ القانون نفسه على أن يُعمل به بعد مرور ثلاثين يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية. وقد قدّمت الحكومة المهلة عند مناقشة المشروع على أنها فترة لإعادة تنظيم السوق والتأقلم مع وقف تجريم الشيكات، وبرّرت التعديل بأنه يكرّس استعمال الشيك وسيلة للوفاء لا وسيلة للائتمان.
ونتيجة ذلك أن التعامل بالشيكات في الأردن يخضع اليوم لنظامين متوازيين. الأول للشيكات التي صدرت قبل انقضاء المهلة، وهذه ما زالت المادة (421) تحميها جزائياً متى توافرت شروطها. والثاني للشيكات التي صدرت بعدها، وهذه خرجت من نطاق التجريم وبقيت ديناً يُطالَب به بالطرق التنفيذية والمدنية. وقد انقضت المهلة، غير أن الشيكات المؤجلة التي حُرّرت قبل انقضائها قد يمتد استحقاقها وتقديمها إلى ما بعده، فيبقى السؤال الجزائي قائماً فيها.
ثانياً: الأفعال التي تجرّمها المادة (421) وعقوبتها
الشيك بدون رصيد هو الشيك الذي يُقدَّم إلى البنك المسحوب عليه فلا يجد له مقابل وفاء قائماً وقابلاً للصرف، وإصداره أول الأفعال الخمسة التي تعاقب عليها المادة (421). فالفقرة الأولى من المادة تعاقب بالحبس مدة سنة وبغرامة لا تقل عن مائة دينار ولا تزيد على مائتي دينار كلَّ من أقدم بسوء نية على أحد خمسة أفعال:
- إصدار شيك ليس له مقابل وفاء قائم وقابل للصرف.
- سحب مقابل الوفاء كله أو بعضه بعد إصدار الشيك، بحيث لا يفي الباقي بقيمته.
- إصدار أمر إلى المسحوب عليه بالامتناع عن صرف الشيك في غير الحالات التي يجيزها القانون.
- تظهير شيك لغيره أو إعطاؤه شيكاً مستحق الدفع لحامله، مع العلم بأنه ليس له مقابل يفي بكامل قيمته أو بأنه غير قابل للصرف.
- تحرير الشيك أو التوقيع عليه بصورة تمنع صرفه.
وتمنع الفقرة الثانية المحكمة، عند أخذها بالأسباب المخففة، من تخفيض الحبس عن ثلاثة أشهر والغرامة عن خمسين ديناراً، ولا تجيز استبدال الحبس بالغرامة. وتقرر الفقرة السابعة أن المفوّض بالتوقيع عن الشركة إذا حرّر الشيك يكون مسؤولاً جزائياً بصفته فاعلاً متى توافرت أركان الجريمة، وبغض النظر عن نوع الشركة.
وحصرت الفقرة الخامسة تطبيق الفقرة الأولى بالشيك الذي اجتمع فيه شرطان: أن يكون محرراً باستخدام النموذج الصادر من البنك المسحوب عليه، وأن يُقدَّم إلى ذلك البنك للوفاء في التاريخ المبيّن فيه أو خلال المدة التي حددها النص بعد ذلك التاريخ. فالشيك المكتوب على غير نموذج البنك، أو الذي قُدّم بعد فوات تلك المدة، قد يبقى سنداً بدين دون أن يصلح أساساً لشكوى جزائية. ومن أول ما يدقّقه المحامي في ملف الشيك هذان الشرطان، ومعهما ركن سوء النية الذي يقوم عليه التجريم كله.
ثالثاً: تاريخ إصدار الشيك هو الخط الفاصل بين الجريمة والدين
لأن الفقرة الثامنة ربطت الأثر بالشيكات «الصادرة» بعد انقضاء المهلة، صار تاريخ الإصدار المسألة الأولى في كل ملف شيك اليوم. ويبدو ذلك بسيطاً إلى أن يتعلق الأمر بالشيك المؤجل، وهو صورة شائعة في التعامل التجاري وعقود الإيجار والبيع بالتقسيط.
فقانون التجارة الأردني رقم (12) لسنة 1966 يجعل الشيك في المادة (245) واجب الوفاء لدى الاطلاع عليه، ويعدّ كل بيان مخالف لذلك كأن لم يكن، ويوجب وفاء الشيك المقدَّم قبل اليوم المبيّن فيه كتاريخ لإصداره في يوم تقديمه. فالقانون يعامل الشيك أداة وفاء فورية، بينما تستعمله الممارسة أداة ائتمان مؤجلة. ومن هذه الفجوة تنشأ مسائل دقيقة، منها تحديد ما إذا كانت العبرة بالتاريخ المدوّن على الشيك أم بتاريخ تسليمه الفعلي، وكيف يُعامَل شيك حُرّر وسُلّم قبل انقضاء المهلة وحمل تاريخاً لاحقاً لها. والفصل في ذلك في ملف بعينه يتوقف على وقائع التحرير والتسليم وما يمكن إثباته منها، وهو نفسه نقطة قانونية تستحق استشارة قبل أن يبني الحامل أو الساحب موقفه عليها.
ويزداد الأمر تعقيداً عند التاجر أو المؤجر الذي يحمل مجموعة شيكات من مدين واحد، إذ قد يقع بعضها قبل الخط الفاصل وبعضها بعده. فيكون له في العلاقة الواحدة مسار جزائي لبعض الشيكات، ومسار تنفيذي أو مدني لبعضها الآخر.
رابعاً: مسارات حامل الشيك المرتجع
حامل الشيك الذي رُدّ دون صرف لا يملك طريقاً واحداً إلى حقه، والمسارات تختلف في أساسها وشروطها وما تحققه:
| المسار | الأساس القانوني | متى يكون متاحاً | ما يحققه للحامل | حدوده |
|---|---|---|---|---|
| الشكوى الجزائية | المادة (421) من قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 | شيك صادر قبل انقضاء مهلة القانون المعدّل رقم (10) لسنة 2022، محرر على نموذج البنك ومقدَّم ضمن المدة التي حددها النص، مع توافر سوء النية | ملاحقة الساحب بالحبس مدة سنة والغرامة، مع المطالبة بالحق الشخصي | لا تسري على الشيكات الصادرة بعد انقضاء المهلة (الفقرة 8)، والوفاء أو إسقاط الحق الشخصي يحوّل العقوبة إلى غرامة (الفقرة 3) |
| تنفيذ الشيك سنداً تنفيذياً | المادة (6) من قانون التنفيذ رقم (25) لسنة 2007، التي تعدّ الأوراق التجارية القابلة للتداول من السندات التنفيذية | الشيك الصادر قبل انقضاء المهلة وبعدها، متى احتفظ بصفته ورقة تجارية | بدء التحصيل أمام دائرة التنفيذ دون انتظار حكم في أصل الدين | تتوقف جدواه على وجود أموال يمكن التنفيذ عليها، وحبس المدين في الالتزام التعاقدي مقيّد منذ تعديل المادة (22) من قانون التنفيذ |
| الدعوى المدنية | قانون التجارة رقم (12) لسنة 1966 والقواعد العامة في الالتزامات | حين يتعذر التنفيذ المباشر بالشيك أو يُنازَع في صفته أو في أصل الدين | حكم بالدين يُنفَّذ بعد صدوره | الأطول زمناً، وقد يمتد النزاع فيها إلى أصل العلاقة التي نشأ عنها الشيك |
فالشكوى الجزائية، حيث ما زالت متاحة، تمنح الحامل ورقة ضغط في التفاوض لا يمنحها التنفيذ المدني، لكنها مقيدة بشروط النص ولا تتسع لكل شيك. والتنفيذ المباشر أسرع من الدعوى، لكن قيمته العملية تتوقف على ما يملكه المدين، وعلى حدود الحبس التي رسمها تعديل قانون التنفيذ والمشروحة في مقال حبس المدين في قانون التنفيذ الأردني. ويقدّر المحامي كذلك ما إذا كانت المطالبة المدنية بالشيك تحتمل طريق الدعوى المستعجلة في القانون الأردني بدل الدعوى العادية. واختيار المسار، أو الجمع بين أكثر من مسار، يسبق أي إجراء، لأن المسار الذي يُفتح أولاً هو الذي يحدد ورقة التفاوض الأولى بيد الحامل.
خامساً: الوفاء وإسقاط الحق الشخصي في قضايا الشيكات
فتحت الفقرة الثالثة من المادة (421) باباً يغيّر ميزان التفاوض بين الطرفين. فإذا استوفى المشتكي قيمة الشيك أو أسقط حقه الشخصي، تُستوفى غرامة تعادل (5%) من قيمة الشيك مهما بلغ عدد المحكوم عليهم، على ألا تقل عن مائة دينار ولا تزيد على خمسة آلاف دينار، ولو بعد صدور الحكم أو اكتسابه الدرجة القطعية. وعند تعدد الشيكات تُحتسب الغرامة على أساس مجموع قيمتها. وتنص الفقرة الرابعة على سريان هذا الحكم على الأحكام التي اكتسبت الدرجة القطعية قبل نفاذ التعديل الذي أدخله.
ولذلك يتوقف أثر التسوية على الملف الجزائي على تفاصيلها: صيغتها، وما إذا كان الوفاء يغطي قيمة الشيك كاملة، وما إذا كانت تتضمن إسقاط الحق الشخصي صراحة، وتوقيتها من مراحل الدعوى. وما يملكه المشتكي بالتنازل وما لا يملكه مشروح في مقال الحق العام والحق الشخصي في القانون الأردني.
ملاحظة عملية: يخلط كثير مما يُتداول عن «إلغاء حبس الشيكات» بين تعديلين مختلفين: تعديل المادة (22) من قانون التنفيذ الذي قيّد حبس المدين في الالتزامات التعاقدية، وتعديل المادة (421) من قانون العقوبات الذي أخرج الشيكات الصادرة بعد انقضاء المهلة من نطاق التجريم. ولكل منهما نطاقه وأثره المختلف على ملف الشيك، فيقرأ المحامي الملف في ضوء النصين معاً لا في ضوء العنوان الإخباري، وهي نقطة تُحسم بمراجعة الملف أو استشارة محامٍ مختص قبل اتخاذ أي موقف.
سادساً: الشيك من جهة الساحب
الساحب الذي تُقدَّم بحقه شكوى شيك يقف أمام نص يمنع استبدال الحبس بالغرامة ويضع حداً أدنى للتخفيف. لكن التجريم لا يقوم إلا بأركانه وشروطه مجتمعة: انطباق أحد الأفعال الخمسة، وسوء النية، واستيفاء الشيك لشرطي النموذج والتقديم، ووقوع إصداره قبل انقضاء مهلة القانون المعدّل. وكل واحد من هذه مسألة يدرسها المحامي في ضوء أوراق الملف ووقائعه، ولا يُحسم أيٌّ منها من نص المادة وحده.
وتتصل بالساحب كذلك مسألة أوامر وقف الصرف. فالمادة تعاقب من يصدر أمراً إلى المسحوب عليه بالامتناع عن صرف الشيك في غير الحالات التي يجيزها القانون، وقانون التجارة يضيّق هذه الحالات. ومن هنا خطر تصرف يبدو للساحب حماية لحقه، كأن يوقف صرف شيك بسبب خلاف على بضاعة أو خدمة. لا تُصدر أمراً للبنك بوقف صرف شيك قبل أن يقدّر المحامي ما إذا كان سببه من الحالات التي يقبلها القانون، فالأمر الذي يُقصد به الدفاع قد يصبح هو نفسه الفعل المعاقَب عليه.
أما المفوّض بالتوقيع عن الشركة فلا يحميه أن الشيك صدر باسمها، إذ تحمّله الفقرة السابعة المسؤولية الجزائية بصفته فاعلاً. وأما الساحب الذي صدر شيكه بعد انقضاء المهلة، فخروجه من نطاق التجريم لا يعني براءة ذمته: فالدين قائم، والشيك يبقى سنداً يمكن التنفيذ به عليه أمام دائرة التنفيذ.
سابعاً: أسئلة متكررة
هل أُلغيت عقوبة الحبس في قضايا الشيكات في الأردن؟
ليس إلغاءً شاملاً. فالقانون المعدّل رقم (10) لسنة 2022 أضاف إلى المادة (421) فقرة تمنع سريانها على الشيكات الصادرة بعد ثلاث سنوات من نفاذه، أما الشيكات الصادرة قبل ذلك فتبقى خاضعة للمادة متى توافرت شروطها.
ما عقوبة الشيك بدون رصيد في القانون الأردني؟
الحبس مدة سنة وغرامة لا تقل عن مائة دينار ولا تزيد على مائتي دينار. ولا يجوز عند الأخذ بالأسباب المخففة النزول بالحبس عن ثلاثة أشهر ولا بالغرامة عن خمسين ديناراً، ولا استبدال الحبس بالغرامة.
ماذا يحدث إذا دفع الساحب قيمة الشيك بعد تقديم الشكوى؟
إذا استوفى المشتكي قيمة الشيك أو أسقط حقه الشخصي تُستوفى غرامة تعادل (5%) من قيمة الشيك، لا تقل عن مائة دينار ولا تزيد على خمسة آلاف دينار، ولو بعد صدور الحكم أو اكتسابه الدرجة القطعية.
هل يستطيع حامل شيك صادر بعد انقضاء المهلة تحصيل قيمته؟
نعم. خروج الشيك من نطاق التجريم لا يُسقط الدين، والأوراق التجارية القابلة للتداول من السندات التنفيذية بنص المادة (6) من قانون التنفيذ. أما المسار الأنسب لملف بعينه فيحدده المحامي بعد دراسة الشيك ووضع المدين.
هل كل شيك مرتجع يصلح أساساً لشكوى جزائية؟
لا. يشترط النص أن يكون الشيك محرراً على نموذج البنك المسحوب عليه، وأن يُقدَّم للوفاء ضمن المدة التي حددها، وأن يتوافر سوء النية، وأن يكون صادراً قبل انقضاء مهلة القانون المعدّل.
هل يُسأل المفوّض بالتوقيع عن شيك الشركة جزائياً؟
نعم. إذا حرّر الشيك المفوّض بالتوقيع عن الشركة كان مسؤولاً جزائياً بصفته فاعلاً متى توافرت أركان الجريمة، أياً كان نوع الشركة.
هل يجوز للساحب أن يوقف صرف شيك أصدره؟
في حالات محصورة يجيزها القانون فقط. والأمر بالامتناع عن الصرف في غير تلك الحالات أحد الأفعال التي تعاقب عليها المادة (421) نفسها، ولذلك يُعرض سببه على محامٍ قبل إصداره.
استشارة قانونية
ملفات الشيكات من أكثر الملفات التي غيّرت فيها التعديلات الأخيرة النتيجة دون أن يتغيّر المبلغ: فمن جهة الحامل قد يكون الشيك نفسه أساساً لشكوى جزائية أو سنداً تنفيذياً أو مجرد بيّنة في دعوى مدنية، ومن جهة الساحب قد يكون الفارق بين الحبس والدين المدني تاريخاً مدوّناً على ورقة. والمسار الخاطئ في هذه الملفات يستهلك الوقت ويُضعف موقف التفاوض، وبعض خطواتها لا يمكن الرجوع عنها. وللحصول على استشارة قانونية متخصصة في قضايا الشيكات والقضايا التنفيذية، أو للاطلاع على صلة هذا الملف بـتحصيل الديون في الأردن وبأحكام الكمبيالة في القانون الأردني، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة والاستشارات القانونية.