عقوبة عدم دفع النفقة في الأردن: الحبس التنفيذي وحدوده بعد تعديلات 2025
كثُر السؤال عن عقوبة عدم دفع النفقة في الأردن منذ دخل تعديل حبس المدين حيّز النفاذ في 25 حزيران 2025، إذ فهم كثير من الأزواج المتأخرين عن دفع النفقة أن خطر الحبس انتهى، وفهمت زوجات وأمهات أن الحكم الذي حصلن عليه فقد قوّته، وكلا الفهمين خاطئ. فتنفيذ أحكام النفقة لا يجري وفق المادة (22) من قانون التنفيذ رقم (25) لسنة 2007 التي عدّلها القانون رقم (9) لسنة 2022، بل وفق قانون التنفيذ الشرعي رقم (10) لسنة 2013، الذي يجيز الحبس في دين النفقة بشروط تختلف عن الدين العادي، ويجعل توقيت طرح الحكم للتنفيذ عاملاً يغيّر وضع الملف كله. ولهذا فإن قراءة ملف النفقة على يد محامٍ مختص بالقضايا الشرعية والتنفيذ الشرعي، قبل أي خطوة أو امتناع، هي التي تحدد ما يملكه كل طرف فعلاً.
أولاً: ما يسمّيه الناس «عقوبة» هو في الأصل حبس تنفيذي
الحبس الذي يواجهه الممتنع عن دفع النفقة المحكوم بها في الأردن وسيلة إجبار على الوفاء يقررها رئيس التنفيذ الشرعي، وهو القاضي الشرعي المكلف بالتنفيذ لدى المحكمة الابتدائية الشرعية، وليس عقوبة جزائية يصدرها قاضٍ جزائي بعد محاكمة كما توحي عبارة «عقوبة عدم دفع النفقة» الشائعة. وتمنح المادة (5) من قانون التنفيذ الشرعي رئيسَ التنفيذ الاختصاص بجميع المنازعات التنفيذية، ومنها الحجز على أموال المحكوم عليه وبيعها، وحبسه، ومنعه من السفر إلا إذا قدّم كفيلاً يضمن الوفاء بالمحكوم به.
وللتمييز أثر عملي مباشر: الحبس التنفيذي لا يُسقط الدين، فيخرج المحبوس وما زال المبلغ في ذمته، ويبقى الملف مفتوحاً بسائر وسائله. أما المسار الجزائي فقائم بذاته في حالات محددة يعرضها القسم السابع من هذا المقال، وأركانه تختلف عن مجرد التأخر في دفع مبلغ محكوم به.
ثانياً: لماذا لم يشمل تعديل 2025 دين النفقة
قيّد القانون المعدّل رقم (9) لسنة 2022 حبس المدين حين يكون مصدر الدين التزاماً تعاقدياً، مع استثناء الالتزامات الناشئة عن عقود العمل وعقود الإيجار. والنفقة لا تنشأ عن عقد يتفاوض عليه طرفان، بل يرتّبها قانون الأحوال الشخصية رقم (15) لسنة 2019 على الزوج والأب، ويصدر بها حكم من المحكمة الشرعية. ولذلك بقيت قضايا التنفيذ الشرعي خارج القيد الذي أدخله التعديل، وبقي دين النفقة المحكوم بها ضمن الحالات التي يجوز فيها طلب الحبس دون حاجة لإثبات اقتدار المدين، مع اعتبار كل قسط منه ديناً مستقلاً.
ويضاف إلى ذلك أن قانون التنفيذ الشرعي نفسه ينص في المادة (13/أ) على جواز طلب الحبس «في جميع الديون بما فيها المهر»، وتقرر المادة (19) منه أنه لا يُعمل بأي نص في قانون آخر يتعارض مع أحكامه. أما ما تغيّر فعلاً في الديون المدنية بعد التعديل، وأيّ الالتزامات بقيت خارج القيد، فيعرضه مقال حبس المدين في قانون التنفيذ الأردني.
ثالثاً: تنفيذ دين النفقة مقارنة بالدين التعاقدي العادي
| وجه المقارنة | دين النفقة المحكوم بها | الدين التعاقدي العادي |
|---|---|---|
| القانون الحاكم | قانون التنفيذ الشرعي رقم (10) لسنة 2013، المادة (13) | قانون التنفيذ رقم (25) لسنة 2007، المادة (22) بعد تعديلها بالقانون رقم (9) لسنة 2022 |
| الجهة المختصة | رئيس التنفيذ الشرعي لدى المحكمة الابتدائية الشرعية (المادتان 2 و5) | رئيس التنفيذ لدى دائرة التنفيذ في المحاكم النظامية |
| جواز حبس المدين | نعم، والحبس جائز في جميع الديون بما فيها المهر (م13/أ) | لا كقاعدة منذ 25 حزيران 2025، إلا في الالتزامات الناشئة عن عقود العمل وعقود الإيجار |
| إثبات اقتدار المدين | لا يلزم إذا طُرح السند للتنفيذ خلال المدة التي حددتها المادة (13/د)، وبعد فواتها يخضع المتراكم للقاعدة العامة التي تفتح باب التسوية وبحث المقدرة | حيث يبقى الحبس جائزاً، يُطلب من الدائن إثبات المقدرة المالية للمدين، وللمدين عرض تسوية |
| الأقساط | كل قسط دين مستقل يجوز طلب الحبس به دون إثبات الاقتدار (م13/ب) | لا يترتب على الدين التعاقدي حبس ما دام خارج الاستثناءات |
| الأولوية عند توزيع حصيلة التنفيذ | تتقدم النفقات، وتتقدم منها نفقة الزوجة ونفقة الصغار وأجرة المسكن (م16/أ) | تقع الديون الأخرى في مرتبة واحدة بعد النفقات (م16/ب) |
| أثر الحبس على الدين | لا يُسقطه، فالحبس وسيلة إجبار لا وفاء | يبقى الدين قائماً، وتُتابع وسائل التنفيذ الأخرى كالحجز ومنع السفر |
وما يحسم موقف كل طرف في ملف بعينه هو نوع الدين ومتى طُرح السند للتنفيذ وما الذي يُطلب الحبس من أجله: قسط حديث أم متراكم قديم.
رابعاً: التوقيت هو النقطة التي تقلب الملف
أدق ما في المادة (13) من قانون التنفيذ الشرعي فقرتها (د). فهي تجيز للمحكوم له طلب حبس المحكوم عليه في دين النفقة والأجور دون حاجة لإثبات اقتداره، بشرط أن يُطرح السند التنفيذي للتنفيذ خلال مدة محددة من تاريخ صدوره. فإن طُرح بعد مضيّ هذه المدة خضع دين النفقة المتراكم للفقرة (أ)، أي للقاعدة العامة التي تتيح للمحكوم عليه عرض تسوية تتناسب ومقدرته المالية بعد دفع جزء من المبلغ، وتخوّل رئيس التنفيذ عند الخلاف سماع الطرفين والتحقق من قدرة المحكوم عليه على الدفع.
معنى ذلك من جهة الزوجة أو الحاضنة أن التأخر في طرح الحكم، ولو بنية منح الزوج فرصة، قد ينقل المتراكم من نظام يُحبس فيه الممتنع دون بحث في مقدرته إلى نظام يُفتح فيه باب التسوية والتقسيط. ومعناه من جهة الزوج أن وضعه في الملف يتحدد بتاريخ الحكم وتاريخ طرحه وبطبيعة المبلغ المطلوب، لا بمقدار الدين وحده. وتحديد النظام الذي يخضع له المتراكم في ملف بعينه، وأيّ الأقساط يدخل في كل فقرة، هو نفسه نقطة قانونية تستحق استشارة، ولا يُستخلص من نص المادة دون الاطلاع على أوراق الملف.
ملاحظة عملية: كثير مما يُتداول عن «إلغاء حبس المدين» يخلط بين قانون التنفيذ وقانون التنفيذ الشرعي، ولا يميّز بين القسط الحديث والمتراكم القديم. ويرجع المحامي عند تقييم ملف النفقة إلى نص المادة (13) من قانون التنفيذ الشرعي وإلى تاريخ السند التنفيذي وتاريخ طرحه، لا إلى العناوين الإخبارية، وهي مسألة تُحسم بمراجعة الملف أو استشارة محامٍ مختص قبل البناء عليها.
خامساً: ما يدرسه المحامي في ملف الزوج المطالَب بالنفقة
الزوج الذي يواجه طلب حبس بسبب النفقة لا يقف بلا دفاع، لكن هامش الحركة أضيق مما يتوقعه أغلب المطالَبين، ويتوقف على المرحلة التي بلغها الملف. ومن المسائل التي ينظر فيها محامي الزوج:
- النظام الذي يخضع له المبلغ المطلوب: هل يدخل في الحالة التي يُحبس فيها دون إثبات اقتدار، أم في القاعدة العامة التي تسمح بعرض تسوية تناسب مقدرته المالية.
- الفئات التي لا يجوز حبسها: إذ تستثني المادة (14) من قانون التنفيذ الشرعي فئات محددة، منها موظفو الوزارات والدوائر والمؤسسات الرسمية والعامة الذين يتقاضون راتباً شهرياً، ومن لا يكون مسؤولاً بشخصه عن الدين، والحامل وأم المولود الحاضنة له خلال المدة التي حددها النص. ويستمر التنفيذ على من استُثني من الحبس بالوسائل الأخرى.
- سقف مدة الحبس: يضع القانون حداً سنوياً لمدة الحبس عن الدين الواحد وحداً إجمالياً مهما تعددت الديون، ويقع على المحكوم عليه عبء إثبات احتساب هذه المدد (م13/ج).
- الوضع الصحي: لرئيس التنفيذ تأجيل الحبس إذا اقتنع، بناءً على تقرير طبي من طبيب مختص لدى جهة رسمية، بأن المحكوم عليه مريض بمرض لا يتحمل معه الحبس (م13/هـ).
- الطعن في قرار الحبس: قرارات رئيس التنفيذ قابلة للاستئناف أمام محكمة الاستئناف الشرعية المختصة، ولاستئناف قرار الحبس شروط تتعلق بالكفالة يقدّرها المحامي (م9).
- تعديل مقدار النفقة أو انتهاء سببها: وهذه دعوى مستقلة أمام المحكمة الشرعية لا يُغني عنها الامتناع، وتفصيل أسبابها في مقال متى تسقط نفقة الزوجة في الأردن.
لا تتوقف عن دفع النفقة المحكوم بها اعتماداً على خبر عن إلغاء الحبس، ولا قبل صدور حكم يعدّلها، فكل قسط يُترك دون دفع يصبح ديناً مستقلاً يجوز طلب الحبس به.
سادساً: حين يتعذر التحصيل: صندوق تسليف النفقة
ليست كل ملفات النفقة مشكلتها امتناع زوج قادر. ففي بعضها لا يُعثر للمحكوم عليه على مال، أو يغيب، ويبقى الحكم بلا أثر في حياة الزوجة والأولاد. لهذه الحالة أنشأت المادة (321) من قانون الأحوال الشخصية رقم (15) لسنة 2019 لدى دائرة قاضي القضاة صندوق تسليف النفقة، وغايته تسليف النفقة المحكوم بها للمحكوم له الذي تعذر عليه تحصيلها.
ويشترط نظام صندوق تسليف النفقة لسنة 2015 لذلك وجود سند تنفيذي، وأن يكون المحكوم له أو المحكوم عليه أردنياً، وأن يتعذر تحصيل النفقة من المحكوم عليه، ويُثبت التعذر بمشروحات مأمور التنفيذ. ويقدّر الصندوق مقدار ما يسلّفه، كله أو بعضه، بحسب ظروفه المالية وظروف الطرفين.
والجانب الذي يغفل عنه الزوج أن تسليف الصندوق لا يُبرئ ذمته. فالمادة (321/ب) تجعل الصندوق يحلّ محل المحكوم له في حقوقه المالية لتحصيل ما سلّفه مع المصاريف، وتمنحه حق إقامة الدعاوى لاسترداد أمواله من المحكوم عليه. أما بالنسبة للزوجة، فإن قبول طلب التسليف يتوقف على ملف تنفيذي سليم أثبت فيه مأمور التنفيذ تعذر التحصيل، وهو ما يعني أن متابعة التنفيذ على وجهه الصحيح شرط للوصول إلى الصندوق نفسه.
سابعاً: متى يصبح الامتناع عن الإنفاق جريمة
الأصل أن عدم دفع النفقة المحكوم بها يُعالج بالتنفيذ الشرعي. غير أن قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 يجرّم في المادة (290) صوراً محددة من ترك الأولاد دون إعالة، فيعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة كل والد أو ولي أو وصي لقاصر لم يكمل الخامسة عشرة من عمره، أو لذي إعاقة مهما بلغ عمره، أو من عُهد إليه شرعاً أو قانوناً بالمحافظة عليه والعناية به، إذا:
- رفض أو أهمل تزويده بالطعام والكساء والفراش والضروريات الأخرى مع استطاعته ذلك، مسبباً بعمله الإضرار بصحته؛ أو
- تخلى عنه قصداً أو دون سبب مشروع أو معقول، مع أنه قادر على إعالته، وتركه دون وسيلة لإعالته.
وتكون العقوبة الحبس من ستة أشهر إلى سنتين إذا كان القاصر لم يكمل الثانية عشرة من عمره.
هذا النص لا يجعل كل تأخر في دفع النفقة جريمة. فهو يحمي الصغير وذا الإعاقة لا الزوجة، ويشترط القدرة على الإعالة، ويشترط إما ضرراً لحق بصحة الصغير أو تركه دون وسيلة للإعالة. والفاصل بين ملف تنفيذي يُعالج أمام رئيس التنفيذ الشرعي وواقعة تستوفي أركان المادة (290) فاصل دقيق يقدّره المحامي من الوقائع، سواء كان يمثل الأم التي تفكر في الشكوى أو الأب الذي يواجهها.
ثامناً: أسئلة متكررة
هل يُحبس الزوج إذا لم يدفع النفقة في الأردن؟
نعم، يجوز ذلك. فقانون التنفيذ الشرعي رقم (10) لسنة 2013 يجيز طلب حبس المحكوم عليه في دين النفقة، ويعتبر كل قسط ديناً مستقلاً يجوز طلب الحبس به دون إثبات اقتداره. لكن شروط الحبس تختلف بحسب توقيت طرح السند للتنفيذ وطبيعة المبلغ المطلوب، ويستثني القانون فئات من الحبس.
هل ألغى تعديل قانون التنفيذ عام 2025 الحبس في قضايا النفقة؟
لا. التعديل الذي نفذ في 25 حزيران 2025 بموجب القانون رقم (9) لسنة 2022 قيّد حبس المدين في الالتزامات التعاقدية. أما النفقة فالتزام يرتّبه القانون، وتنفيذها يجري وفق قانون التنفيذ الشرعي الذي يجيز الحبس فيها.
هل يسقط دين النفقة إذا حُبس الزوج؟
لا. الحبس وسيلة لإجبار المدين على الوفاء وليس وفاءً، فيبقى المبلغ في ذمته بعد انقضاء الحبس، وتبقى وسائل التنفيذ الأخرى متاحة، ويبقى طلب الحبس ممكناً عن الأقساط اللاحقة.
هل يُحبس الموظف الحكومي بسبب النفقة؟
تمنع المادة (14) من قانون التنفيذ الشرعي حبس موظفي الوزارات والدوائر والمؤسسات الرسمية والعامة الذين يتقاضون راتباً شهرياً. لكن ذلك لا يعني إغلاق الملف، فيتجه التنفيذ إلى الوسائل الأخرى المقررة على أموال المحكوم عليه.
هل يمكن منع الزوج من السفر بسبب النفقة؟
نعم. تجعل المادة (5) من قانون التنفيذ الشرعي منع المحكوم عليه من السفر من اختصاص رئيس التنفيذ، ما لم يقدّم كفيلاً يضمن الوفاء بالمحكوم به.
ما الحل إذا لم يكن للزوج مال يُنفَّذ عليه؟
أنشأت المادة (321) من قانون الأحوال الشخصية صندوق تسليف النفقة لهذه الحالة، فيسلّف النفقة المحكوم بها لمن تعذر عليه تحصيلها بشروط حددها نظام الصندوق، ثم يحلّ محله في مطالبة المحكوم عليه.
هل يُعدّ عدم الإنفاق على الأولاد جريمة؟
قد يكون كذلك إذا توافرت أركان المادة (290) من قانون العقوبات: قاصر لم يكمل الخامسة عشرة أو ذو إعاقة، وقدرة على الإعالة، ورفض أو إهمال أضرّ بصحته أو تركه دون وسيلة لإعالته. وعقوبتها الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة، ومن ستة أشهر إلى سنتين إذا لم يكمل القاصر الثانية عشرة.
استشارة قانونية
ملفات تنفيذ النفقة حساسة من الجهتين: من جهة الزوجة أو الحاضنة، قد يفقدها التأخر في طرح الحكم أو الخطأ في تكييف المبلغ المطلوب أقوى وسيلة منحها القانون لتحصيل حق يومي لا يحتمل الانتظار؛ ومن جهة الزوج، قد يتحول اعتماده على خبر عن إلغاء الحبس إلى أقساط متراكمة يجوز طلب الحبس بكل منها على حدة. ولأن موقع كل طرف يتحدد بتاريخ الحكم وتاريخ طرحه وطبيعة الدين، فإن قراءة الملف قبل أي خطوة هي ما يحفظ الحق أو يحدّ من الضرر. للحصول على استشارة قانونية متخصصة في قضايا النفقة والقضايا الشرعية، أو للاطلاع على أحكام نفقة الزوجة في القانون الأردني ونفقات الأولاد في الأردن، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة والاستشارات القانونية.