حبس المدين في قانون التنفيذ الأردني: الحدود والاستثناءات

حبس المدين في قانون التنفيذ الأردني: الحدود والاستثناءات

راشد العبويني - محامي نظامي- شرعي
بقلم: راشد العبويني محامي نظامي- شرعي

قليل من التعديلات التشريعية الأردنية لقي من الاهتمام ما لقيه تقييد حبس المدين، وقليل منها أيضاً أُسيء فهمه بالقدر نفسه. فقد صدر القانون المعدّل لقانون التنفيذ رقم 9 لسنة 2022، معدّلاً المادة 22 من قانون التنفيذ الأردني رقم 25 لسنة 2007، ودخل حيّز النفاذ في الخامس والعشرين من حزيران 2025 بعد تأجيل امتدّ ثلاث سنوات. وقد تُرجم هذا التعديل في التداول العام إلى عبارة واحدة مختصرة هي «إلغاء حبس المدين»، وهي ترجمة غير دقيقة كلّفت من بنى عليها موقفه غالياً. فالتعديل قيّد الحبس ولم يُلغه، وربط ذلك بمعيار قانوني دقيق قد يضع مدينَين بالمبلغ نفسه في وضعين متعاكسين تماماً، وهو ما يجعل عرض الملف على محامٍ مختص بالقضايا التنفيذية ضرورة قبل بناء أيّ تصرف على ما تناقلته الأخبار.

أولاً: ما الذي تغيّر فعلاً

جاء التعديل استجابة لالتزام دولي معروف، هو ما تقرّره المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من أنّه لا يجوز سجن إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي. وهذه الصياغة هي مفتاح فهم التعديل بالكامل، لأنّ القيد الذي أُدخل على قانون التنفيذ صيغ على المقاس نفسه.

بعبارة أخرى، لم يقل المشرّع إنّ الحبس ممنوع في الديون، بل قيّده حين يكون مصدر الالتزام عقداً. وما ليس مصدره عقداً بقي خارج نطاق القيد. ثمّ أورد المشرّع على القيد نفسه استثناءات محدّدة تتصل بالتزامات ناشئة عن عقود العمل والتزامات مترتبة بموجب عقود الإيجار، فبقيت هذه ضمن ما يجوز فيه الحبس رغم كونها تعاقدية في أصلها.

فالنتيجة ليست إلغاءً ولا إبقاءً، بل خريطة جديدة يحدّد فيها مصدر الالتزام موقع المدين لا مقدار الدين.

ثانياً: لماذا يُخطئ المدين في تصنيف دينه

الافتراض الشائع أنّ المدين يعرف طبيعة دينه، والواقع العملي يقول غير ذلك، لأنّ التصنيف القانوني للالتزام لا يتبع تسميته الدارجة ولا الطريقة التي نشأ بها في نظر أطرافه.

فالمبلغ الذي يصفه الطرفان بأنّه «قرض بين أصدقاء» قد يكون قد وُثّق بأداة تنقل الالتزام إلى تكييف آخر. والمبلغ الذي يظنّ صاحبه أنّه ناشئ عن عقد قد يكون محلّ مطالبة أُسّست على أساس مختلف تماماً في ملف التنفيذ. والملف الذي بدأ عقداً قد يكون قد مرّ بحكم قضائي غيّر وصف ما يُنفَّذ به.

وهنا يقع الخطر: المدين الذي يقرأ خبراً عن تقييد الحبس فيطمئنّ ويتوقف عن التعامل مع الملف، قد يكتشف أنّ ملفه من الطائفة التي بقيت خارج القيد، وأنّ الأشهر التي مرّت وهو مطمئن كانت هي الوقت الذي كان يمكن أن يُعالَج فيه الملف. تحديد التكييف القانوني لسند التنفيذ هو نفسه نقطة قانونية تستحق استشارة، ولا يُستخلص من اسم المعاملة ولا من روايتها.

ثالثاً: خريطة الالتزامات بعد التعديل

الجدول التالي يوضّح المنطق العام الذي يقوم عليه التمييز بعد التعديل:

نوع الالتزام مصدره موقعه من القيد
التزام ناشئ عن عقد بوجه عام إرادة الطرفين يشمله القيد كقاعدة
التزام ناشئ عن عقد عمل عقد، مستثنى بنصّ بقي خارج القيد
التزام مترتب بموجب عقد إيجار عقد، مستثنى بنصّ بقي خارج القيد
تعويض عن عطل وضرر فعل ضارّ لا عقد خارج نطاق القيد أصلاً
تعويض ناشئ عن جرم جزائي مسؤولية جزائية خارج نطاق القيد أصلاً
مطالبات مترتبة بحكم القانون نصّ القانون لا العقد خارج نطاق القيد أصلاً

الجدول يعرض المنطق، لا نتيجة أيّ ملف بعينه. فالسؤال العملي ليس «إلى أيّ صفّ ينتمي ديني» بل «إلى أيّ صفّ ينتمي السند الذي يُنفَّذ به عليّ»، وهذان سؤالان مختلفان قد تختلف إجابتاهما في الملف الواحد.

ملاحظة عملية: التغطية الإخبارية الواسعة التي رافقت التعديل ركّزت على العنوان العام دون التفصيل، وما زال كثير من المحتوى المتداول يعرض الأمر بوصفه إلغاءً كاملاً للحبس. ويرجع المحامي عند تقييم الملف إلى نصّ المادة النافذة وإلى سند التنفيذ ذاته، لا إلى ما نُشر عن التعديل، وهي نقطة يُحسم أمرها بمراجعة الملف أو استشارة محامٍ مختص قبل اتخاذ أيّ موقف بناءً على الأخبار.

رابعاً: القيد لا يعني انتهاء الملف

من أخطر ما ترتّب على سوء فهم التعديل أنّ بعض المدينين تعاملوا مع تقييد الحبس بوصفه انتهاءً للمطالبة، وهذا غير صحيح على الإطلاق.

القيد يتعلق بوسيلة واحدة من وسائل الإجبار على التنفيذ، ولا يمسّ أصل الدين ولا يُبرئ الذمّة ولا يُغلق ملف التنفيذ. فالالتزام يبقى قائماً، والملف يبقى مفتوحاً، وتبقى بيد الدائن وسائل أخرى يقرّها قانون التنفيذ للوصول إلى حقّه، وهي في كثير من الحالات أشدّ أثراً على حياة المدين اليومية وأطول بقاءً من الحبس نفسه.

بمعنى آخر: من ظنّ أنّ التعديل أنهى مشكلته سيجدها قد تحوّلت إلى شكل آخر، وغالباً بعد أن يكون قد فوّت المرحلة التي كان يمكن فيها التعامل معها بأقلّ كلفة. وقد عالجنا الوجه المقابل من الصورة، أي ما يبقى متاحاً للدائن من وسائل، في مقال تحصيل الديون في الأردن.

خامساً: الملفات التي لها بُعد آخر خارج قانون التنفيذ

ينبغي التنبّه إلى أنّ بعض المديونيات لا تُعالَج في إطار قانون التنفيذ وحده، بل يرافقها مسار مستقلّ تماماً لا يتأثر بالتعديل.

فالمعاملات التي تدخل فيها الأوراق التجارية لها في القانون الأردني أحكامها الخاصة، وقد يترتب على بعض صورها مسار ذو طابع جزائي منفصل عن ملف التنفيذ ولا علاقة له بتقييد الحبس المدني، وهو موضوع تناولناه في الأوراق التجارية والشيكات في المعاملات التجارية. كذلك فإنّ المبالغ المحكوم بها بوصفها تعويضاً لها طبيعة مختلفة عن الدين التعاقدي، وقد فصّلنا أساسها في التعويض المدني حسب القانون الأردني.

ولهذا فإنّ المدين الذي يقيّم وضعه بالنظر إلى قانون التنفيذ وحده قد يكون قد نظر إلى نصف الصورة.

سادساً: ما يدرسه المحامي عند استلام ملف تنفيذي

الدفاع في الملفات التنفيذية يبدأ بتشخيص لا بردّ فعل. ومن الأمور التي ينظر فيها المحامي المختص:

  • سند التنفيذ وطبيعته: ما هو بالضبط ما يُنفَّذ به، وكيف نشأ، وهل يحتمل تكييفاً غير الذي بُني عليه الطلب. وهذه أول مسألة تتحدّد بها بقية الملف.
  • الوضع الإجرائي الراهن: ما المرحلة التي بلغها الملف، لأنّ ما هو متاح في مرحلة قد لا يكون متاحاً في التي تليها، والمدد في هذه الملفات لا تُستدرك.
  • مدى صحّة الإجراءات السابقة: إذ ليس كلّ ما جرى في الملف بمنأى عن المراجعة، وتقدير ذلك مهنيّ بحت.
  • الوضع الكلّي للمدين: فوجود أكثر من ملف تنفيذي، أو تعدّد الدائنين، يغيّر المعالجة الصحيحة كلّياً عمّا لو كان الملف منفرداً.

لا تتجاهل التبليغات ولا تتصرف بأيّ من أموالك بعد فتح الملف التنفيذي قبل عرض وضعك على محامٍ، فبعض التصرفات التي تبدو حلولاً فردية تفتح على صاحبها مسارات لم تكن قائمة أصلاً.

سابعاً: أسئلة متكررة

هل أُلغي حبس المدين في الأردن؟

لم يُلغَ، وإنّما قُيّد. فالقانون المعدّل رقم 9 لسنة 2022 عدّل المادة 22 من قانون التنفيذ، ودخل حيّز النفاذ في 25 حزيران 2025، وقيّد الحبس حين يكون مصدر الالتزام عقداً، مع استثناء الالتزامات الناشئة عن عقود العمل وعقود الإيجار. أمّا الالتزامات التي لا يكون مصدرها عقداً فلم تدخل في نطاق القيد أصلاً.

هل يعني ذلك أنّ الدين سقط؟

لا. القيد يتعلق بوسيلة من وسائل التنفيذ، ولا يمسّ أصل الالتزام ولا يُبرئ الذمّة. يبقى الدين قائماً وملف التنفيذ مفتوحاً وسائر الوسائل متاحة للدائن.

ما الذي بقي من الحالات التي يجوز فيها الحبس؟

بقيت خارج القيد الالتزامات الناشئة عن عقود العمل وعقود الإيجار بنصّ الاستثناء، كما بقيت خارج نطاقه أصلاً المطالبات التي لا يكون مصدرها عقداً كالتعويض عن الضرر وما يترتب بحكم القانون. وتحديد ما إذا كان ملف بعينه يندرج تحت أيّ من ذلك يعتمد على سند التنفيذ لا على وصف المعاملة.

هل يشمل التعديل الملفات المفتوحة قبل نفاذه؟

مسألة سريان التعديل على الملفات القائمة من المسائل التي يختلف فيها الأثر بحسب المرحلة التي بلغها الملف وطبيعة الإجراء المتخذ فيه. وهي من أوائل ما يُبحث عند تقييم أيّ ملف قائم.

هل ينطبق التعديل على النفقة؟

تنفيذ أحكام النفقة له مساره الخاص أمام الجهة المختصة به، ويختلف إطاره عن التنفيذ المدني العادي. ولذلك لا يصحّ قياس وضع ملف النفقة على ما استقرّ في قانون التنفيذ.

ماذا لو كان الدين ناشئاً عن شيك؟

المعاملات التي تدخل فيها الأوراق التجارية قد يرافقها مسار مستقلّ عن ملف التنفيذ له طبيعته الخاصة، ولا يتأثر هذا المسار بتقييد الحبس في قانون التنفيذ. وهذا من أكثر ما يُفاجأ به من اعتمد على العنوان الإخباري وحده.

هل يستطيع المدين إغلاق الملف بالتسوية؟

التسوية ممكنة، لكنّ قيمتها تتوقف على صيغتها ونطاق ما تشمله وتوقيتها، وعلى ما إذا كانت تُغلق الملف فعلاً أم تُعيد جدولته فحسب. والاتفاقات التي تُبرم في هذه الملفات دون صياغة دقيقة كثيراً ما تتحوّل إلى نزاع لاحق أشدّ من الأصلي.

استشارة قانونية

ملفات التنفيذ من أكثر الملفات التي يكلّف فيها سوء الفهم ثمناً مباشراً على حياة الناس اليومية: من جهة المدين، قد يقود الاطمئنان إلى عنوان إخباري عن «إلغاء حبس المدين» إلى إهمال ملف كان يندرج أصلاً ضمن ما بقي خارج القيد؛ ومن جهة الدائن، قد يقود سوء تقدير طبيعة سنده إلى اختيار مسار تنفيذي لا يوصله إلى حقّه. ولأنّ الفارق بين الوضعين يتحدّد بمصدر الالتزام وبسند التنفيذ لا بمقدار المبلغ، فإنّ قراءة الملف قراءة صحيحة هي أول ما يُبنى عليه أيّ موقف. للحصول على استشارة قانونية متخصصة في القضايا التنفيذية، أو للاطلاع على مقالاتنا ذات الصلة في تنفيذ الأحكام الأجنبية في الأردن والتعويض المدني حسب القانون الأردني، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة.

مقالات ذات صلة