التعويض عن الضرر المادي في المسؤولية التقصيرية وفق القانون المدني الأردني

التعويض عن الضرر المادي في المسؤولية التقصيرية وفق القانون المدني الأردني

راشد العبويني - محامي نظامي- شرعي
بقلم: راشد العبويني محامي نظامي- شرعي

حين يقع فعل ضار يُتلف مالاً أو يصيب جسداً، لا يتحول الضرر المادي إلى مبلغ محكوم به بمجرد وقوعه؛ فما يصل إلى يد المضرور في نهاية الدعوى هو القدر الذي ثبت وقُدِّر بالبينة، لا القدر الذي تكبّده فعلاً. وقد نظّم القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 وتعديلاته أحكام الفعل الضار في المواد 256 وما بعدها، وأقام الضمان فيها على أساس الضرر متأثراً بأحكام الفقه الإسلامي. والمسافة بين الضرر الواقع والضرر المحكوم به هي في الغالب مسافة إثبات وتقدير، وفيها يعمل المحامي المختص منذ الأيام الأولى للواقعة.

أولاً: أساس المسؤولية عن الفعل الضار

تُعد المسؤولية التقصيرية، أو ما يسميه القانون المدني الأردني «الفعل الضار»، من أهم مصادر الالتزام؛ إذ يترتب على إلحاق الضرر بالغير التزام بضمانه متى توافرت شروط المسؤولية. وقد نصت المادة 256 على أن:

«كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر.»

فالضمان يلزم متى تحقق الإضرار بالغير، حتى لو كان مرتكب الفعل غير مميز. وهي نقطة يقف عندها المحامي مبكراً، إذ تفتح باب المطالبة في وقائع يظنها المضرور مغلقة أمامه.

كما نصت المادة 257 على أن الإضرار يكون بالمباشرة أو بالتسبب؛ فإذا وقع بالمباشرة لزم الضمان، أما إذا وقع بالتسبب فيشترط التعدي أو التعمد أو أن يكون الفعل مفضياً إلى الضرر. وتكييف الواقعة على أنها مباشرة أو تسبب ليس تفصيلاً نظرياً، إذ يتغير بحسبه ما يجب إثباته أمام المحكمة، وهو من أوائل ما ينظر فيه المحامي عند دراسة الملف.

ثانياً: مفهوم الضرر المادي وحدوده

يُقصد بالضرر المادي كل ضرر يصيب مصلحة مالية أو حقاً مالياً للمضرور، أو يصيب جسمه أو صحته بحيث يترتب على ذلك خسارة مالية. ويشمل الاعتداء على حق الملكية أو الانتفاع أو الارتفاق، وإتلاف المال أو إنقاص قيمته أو منفعته، وما يلحق بالجسد والصحة إذا ترتب عليه نفقات أو خسارة في الدخل أو في القدرة على الكسب.

ولا يكفي وقوع ضرر بالمعنى الواقعي؛ بل يجب أن ينصبّ الاعتداء على مصلحة مشروعة يحميها القانون، فلا يكون محلاً للتعويض الضرر الواقع على مصلحة غير مشروعة أو مخالفة للنظام العام أو الآداب.

ويقتصر هذا المقال على الضرر المادي في نطاق الفعل الضار. أما بقية أوجه التعويض المدني، من التعويض الأدبي والاتفاقي إلى المسؤولية العقدية ومدد التقادم، فمحلها مقال التعويض المدني حسب القانون الأردني. ويقيّم المحامي هذه الأوجه مجتمعة عند بناء المطالبة، لأن حصر الملف في بند واحد قد يترك أجزاء من الحق خارج الدعوى.

ثالثاً: صور الضرر المادي

ينقسم الضرر المادي في تطبيقات الفعل الضار إلى صورتين، ولكل صورة منطق تقدير وإثبات مختلف.

الصورة الأولى: الاعتداء على المال. ومن أمثلته إتلاف المال كلياً أو جزئياً، وغصبه أو حرمان صاحبه من الانتفاع به، وإنقاص قيمته أو منفعته، والاعتداء على الحقوق المالية وعلى حقوق الملكية الفكرية والصناعية، والخسائر الناشئة عن المنافسة غير المشروعة متى توافرت شروطها القانونية.

الصورة الثانية: الاعتداء على الكيان المادي للإنسان. فقد يصيب الفعل جسم الإنسان أو صحته فيترتب عليه ضرر مالي: نفقات العلاج والدواء، ونفقات العمليات والتأهيل، وفقدان الدخل، وانخفاض القدرة على الكسب، والعجز المؤقت أو الدائم عن العمل، وفقدان الإعالة التي كان يحصل عليها المضرور أو من يعولهم.

والفارق بين الصورتين يظهر عملياً في ما يجب تحصيله من بينات، وفي الجهة التي يستند إليها التقدير:

وجه المقارنة الاعتداء على المال الاعتداء على الكيان المادي للإنسان
محل الضرر مال مملوك للمضرور أو حق مالي له جسم المضرور أو صحته، وما ينشأ عنهما من خسارة مالية
عناصر التقدير قيمة المال أو نقص قيمته ومنفعته، وما فات من كسب مرتبط به نفقات العلاج والتأهيل، وفقدان الدخل، وانخفاض القدرة على الكسب، والعجز
بينات الإثبات الوثائق المالية والفواتير وسندات الملكية وتقارير الخبرة الفنية التقارير الطبية وقرارات اللجان الطبية وسجلات الدخل ووثائق النفقات
الجهة التي تُقدّره محكمة الموضوع استناداً إلى الخبرة الفنية المنتدبة محكمة الموضوع استناداً إلى الخبرة الطبية ونسبة العجز المثبتة
أثر ضعف التوثيق تقدير أدنى من الخسارة الحقيقية، أو ردّ البند لعدم الثبوت اقتصار الضمان على القدر الثابت طبياً دون بقية الأثر المالي

وفي الأضرار الجسدية الناشئة عن حوادث المركبات تتقاطع هذه العناصر مع أحكام تغطية التأمين الإلزامي للأضرار الجسدية، وهو تقاطع يغيّر ترتيب المطالبة والجهة التي توجَّه إليها. وتوزيع البنود بين الصورتين، وتحديد ما يندرج تحت الخسارة اللاحقة وما يندرج تحت الكسب الفائت، هو نفسه نقطة قانونية تستحق استشارة قبل تحرير لائحة الدعوى.

رابعاً: معيار تقدير الضمان في المادة 266

وضع المشرع الأردني قاعدة تقدير الضمان في المادة 266 من القانون المدني، حيث نصت على:

«يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار.»

فغاية الضمان جبر الضرر الحقيقي لا إثراء المضرور، ولذلك لا يقتصر على الخسارة الفعلية بل يشمل ما فات من كسب، بقدر ما يثبت من ارتباطه بالفعل الضار.

وبند «ما فات من كسب» هو أكثر ما يضيع في المطالبات التي تُعدّ على عجل. فهو لا يظهر في فاتورة جاهزة كما تظهر نفقات الإصلاح أو العلاج، وإنما يحتاج إلى بناء حسابي تسنده سجلات دخل وخبرة فنية. ويستخرج المحامي هذا البند ويوثقه قبل تحديد قيمة المطالبة، لأن المطالبة متى قُيّدت بمبلغ أدنى مما تحتمله الوقائع صار ما زاد عنه خارج نطاق ما تستطيع المحكمة الحكم به.

ملاحظة عملية: مقدار الضمان ليس رقماً ثابتاً يُستخرج من قاعدة عامة أو من قضية مشابهة، إذ يتغير بتغير البينة المقدمة ونسبة العجز المثبتة وما ينتهي إليه تقرير الخبرة المنتدبة. ويعيد المحامي تقييم قيمة المطالبة كلما دخل الملف عنصر إثبات جديد، وهي مسألة لا يصح البتّ فيها بتقدير أولي دون مراجعة المستندات أو استشارة محامٍ مختص.

خامساً: شروط الضرر المادي المستوجب للضمان

حتى يكون الضرر المادي صالحاً للمطالبة بالضمان، يلزم توافر شروط يفحصها المحامي بنداً بنداً قبل الشروع في الدعوى.

أن يقع الاعتداء على حق أو مصلحة مالية مشروعة. كالاعتداء على حق الملكية، أو إتلاف مال مملوك للغير، أو إصابة أدت إلى نفقات علاج أو فقدان دخل. أما المصلحة غير المشروعة فلا تكون محلاً للحماية القانونية، ولا يصلح الضرر الناتج عنها أساساً للمطالبة.

أن يكون الضرر محققاً. سواء وقع بالفعل أم كان ضرراً مستقبلياً مؤكد الوقوع. أما الضرر الاحتمالي الذي لا يُعرف ما إذا كان سيقع أم لا، فلا يكون في الأصل محلاً للتعويض قبل تحققه.

أن يكون الضرر شخصياً. فالأصل أن يكون الضرر قد أصاب المضرور نفسه، شخصاً طبيعياً كان أم اعتبارياً؛ ولا تكفي علاقة القرابة أو الصداقة لإعطاء غيره حق المطالبة، ما لم يكن قد أصيب هو الآخر بضرر شخصي تتوافر فيه شروطه. وعلى هذا الأساس يقوم ما يُعرف بالضرر المرتد، كوفاة من كان يعيل أسرته فيفقد أفرادها مصدر الإعالة: فالتعويض هنا لا يقوم لمجرد صلة القرابة، وإنما على أساس الضرر الشخصي الذي أصاب من ارتد إليه الضرر.

سادساً: الضرر المستقبلي وطريقة أداء الضمان

ليس شرطاً أن يكون الضرر قد وقع كاملاً وقت إقامة الدعوى. فإذا ثبت أن الإصابة ستؤدي حتماً إلى خسارة مالية مستقبلية أو انخفاض دائم في القدرة على الكسب، دخل ذلك ضمن الضرر القابل للتعويض متى ثبتت علاقته بالفعل الضار.

وقد عالج المشرع الحالة التي يتعذر فيها تحديد مدى الضمان بصورة نهائية في المادة 268، التي تجيز للمحكمة أن تحتفظ للمضرور بحق المطالبة بإعادة النظر في التقدير خلال مدة معينة. وهذا نصّ يُغفَل كثيراً في المطالبات التي تُعدّ دون خبرة، فيخرج المضرور بحكم نهائي مبني على حالة طبية لم تستقر بعد.

ولا يشترط أن يكون التعويض مبلغاً يُدفع دفعة واحدة، فقد نصت المادة 269/1 على أنه:

«يصح أن يكون الضمان مقسطاً كما يصح أن يكون إيراداً مرتباً، ويجوز في هاتين الحالتين إلزام المدين بأن يقدم تأميناً تقدره المحكمة.»

وأيّ الصيغ أنسب لوضع المضرور، وأثر كل صيغة على ضمانات التحصيل لاحقاً، من المسائل التي يوازن فيها المحامي عند صياغة الطلبات.

سابعاً: الضرر المحتمل وتفويت الفرصة

ينبغي التمييز بين الضرر المحتمل وتفويت الفرصة. فالأول لم يتحقق بعد ولا يُعرف يقيناً ما إذا كان سيقع، أما الثاني فالضرر فيه متحقق بفقدان فرصة حقيقية كان من الممكن أن تؤدي إلى منفعة أو كسب نتيجة الفعل الضار. ولا يعني الحكم بالتعويض عن تفويت الفرصة الحكم بكامل الكسب الذي كان المضرور يأمله، وإنما يُقدَّر بحسب قيمة الفرصة ومدى احتمال تحقق النتيجة المرجوة منها.

وقد أخذ القضاء الأردني بهذا المفهوم في بعض التطبيقات المتعلقة بالمسؤولية المهنية، ومن ذلك ما ورد في حكم محكمة التمييز الحقوقية رقم 768 لسنة 1982 بشأن تقصير المحامي في مراعاة المدد القانونية وما يترتب على ذلك من مسؤولية عن الضرر الفعلي الناتج عن هذا التقصير. وبناء المطالبة على هذا الأساس يقتضي عرضاً دقيقاً لجدية الفرصة ومقدار احتمالها، وهو عرض فني يفرّق بين مطالبة تُقبل وأخرى تُردّ لعدم الثبوت.

ثامناً: علاقة السببية والسبب الأجنبي

يشترط لاستحقاق التعويض وجود علاقة سببية بين الفعل الضار والضرر، وهو ما عبّرت عنه المادة 266 باشتراط أن يكون الضرر وما فات من كسب نتيجة طبيعية للفعل. فلا يكفي إثبات وقوع الضرر، وإنما يجب إثبات أنه نتيجة للفعل المنسوب إلى المسؤول، وأن رابطة السببية لم تنقطع بسبب أجنبي؛ وقد نظّم القانون المدني الأردني هذه المسألة في المادة 261 بشأن الضرر الناشئ عن سبب أجنبي لا يد للفاعل فيه، كالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي وفق شروطها القانونية.

وعلى هذا الشرط تتركز غالبية الدفوع في دعاوى الفعل الضار؛ إذ يسعى المدعى عليه إلى قطع الرابطة أو تجزئتها، بينما يعمل محامي المضرور على تثبيتها بالتقارير الفنية والقرائن المتساندة. لا تُدلِ بأي إقرار أو تصريح حول ملابسات الواقعة قبل عرض الملف على محامٍ مختص، فعبارة واحدة في محضر أولي قد تُقرأ لاحقاً على أنها مساهمة من المضرور في إحداث الضرر.

تاسعاً: عبء إثبات مقدار الضرر

يرتبط تقدير التعويض بالضرر الثابت في الدعوى، وبما يقدمه الأطراف من بينات تثبت مقدار الخسارة وما فات من كسب: الفواتير، والتقارير الطبية، وتقارير الخبرة الفنية، والوثائق المالية، وسجلات الدخل.

وهنا يقع أكثر ما يخسره المضرورون. فالضرر الحقيقي قد يكون كبيراً، لكن المحكمة لا تحكم إلا بما ثبت أمامها، فيتحول جزء من الخسارة الفعلية إلى خسارة غير قابلة للاسترداد لمجرد أنها لم تُوثَّق في حينها. ولذلك يبدأ عمل المحامي قبل رفع الدعوى: بجمع المستندات وهي ما تزال قابلة للتحصيل، وطلب الخبرة المناسبة، وترتيب البنود بحيث يقابل كل بند دليل يسنده. لا توقّع على أي مخالصة أو تسوية قبل عرضها على محامٍ مختص، فالمخالصة الموقّعة تغلق باب المطالبة عن بنود قد لا يكون المضرور أدرك وجودها أصلاً.

عاشراً: أسئلة متكررة

هل يقتصر التعويض عن الضرر المادي على الخسارة الفعلية؟

لا. تقدّر المادة 266 من القانون المدني الأردني الضمان بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب، بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار. وبند الكسب الفائت هو الأكثر عرضة للإهمال، ويحتاج إلى بناء حسابي يعدّه المحامي استناداً إلى مستندات وسجلات.

هل يستحق التعويض عن ضرر لم يقع بعد؟

نعم إذا كان ضرراً مستقبلياً محقق الوقوع، كانخفاض دائم في القدرة على الكسب ثبت أنه نتيجة للإصابة. أما الضرر الاحتمالي غير المؤكد فلا يكون في الأصل محلاً للتعويض قبل تحققه.

ما الفرق بين الضرر المحتمل وتفويت الفرصة؟

الضرر المحتمل لم يتحقق بعد ولا يُعرف يقيناً ما إذا كان سيقع، أما تفويت الفرصة فالضرر فيه متحقق بفقدان فرصة حقيقية كان يمكن أن تؤدي إلى منفعة أو كسب. ويُقدَّر التعويض فيه بقيمة الفرصة ذاتها ومدى احتمال تحققها، لا بكامل الكسب المأمول.

هل لأقارب المضرور المطالبة بتعويض عن ضررهم؟

المطالبة لا تقوم على صلة القرابة وحدها، بل على ضرر شخصي أصاب من ارتد إليه الضرر، كفقد الإعالة عند وفاة من كان يعيل أسرته. وتحديد من تنعقد له صفة المطالبة ومقدار ما يثبت له من ضرر مسألة يحسمها المحامي بعد دراسة الملف.

هل يجوز أن يُحكم بالتعويض على شكل أقساط؟

نعم. تجيز المادة 269/1 من القانون المدني الأردني أن يكون الضمان مقسطاً أو إيراداً مرتباً، مع إمكان إلزام المدين بتقديم تأمين تقدره المحكمة.

هل تكفي المطالبة بمبلغ إجمالي دون تفصيل بنود الضرر؟

المطالبة الإجمالية غير المدعومة ببنود وأدلة تُضعف موقف المضرور، لأن المحكمة تقدّر ما ثبت أمامها فقط. وترتيب البنود وربط كل بند بدليله من أهم ما يقوم به المحامي قبل تحرير لائحة الدعوى.

استشارة قانونية

دعاوى الضرر المادي من أكثر المنازعات المدنية تأثراً بجودة التوثيق وتوقيته؛ فمن جهة المضرور قد يضيع جزء من خسارة حقيقية لمجرد أنها لم تُوثَّق في حينها، ومن جهة المدعى عليه قد يتحمل ضماناً يتجاوز حدود النتيجة الطبيعية لفعله إن لم تُثَر الدفوع المتعلقة بالسببية ومقدار الضرر في وقتها. ولأن التقدير يتغير بتغير البينة والخبرة، فإن التقييم المبكر للملف يحدد سقف ما يمكن الوصول إليه لاحقاً. ولمن يبحث عن تقييم مهني لبنود الضرر ومسار المطالبة، يقدم المكتب استشارة قانونية متخصصة في القانون التجاري والحقوق المالية، مستنداً إلى فهم الجوانب المتصلة من قبيل الحق العام والحق الشخصي في القانون الأردني والإطار القانوني للتأمين في الأردن والفرق بين الدعاوى الشخصية والعينية في القانون الأردني. يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة والاستشارات القانونية لمراجعة الملف ومناقشة الخيارات المتاحة.

مقالات ذات صلة