الفرق بين الدعاوى الشخصية والعينية في القانون الأردني وأثره على الاختصاص
يبدأ كثير من النزاعات المدنية في الأردن بخطأ لا علاقة له بأصل الحق المتنازع عليه، وإنما بوصف الدعوى ذاتها. فتقسيم الدعاوى المدنية إلى دعاوى شخصية وأخرى عينية، وهو تقسيم مدني بحت لا صلة له بالتمييز بين الحق العام والحق الشخصي المعروف في القضايا الجزائية، يرتّب أثراً إجرائياً مباشراً في تحديد الخصم الصحيح والمحكمة المختصة مكانياً، استناداً إلى أحكام القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 وتعديلاته وقواعد الاختصاص الواردة في قانون أصول المحاكمات المدنية. وقد تُردّ دعوى سليمة في أساسها لمجرد إقامتها بوصف خاطئ أو أمام محكمة غير مختصة، فتضيع على صاحبها نفقات التقاضي ووقته قبل أن تصل المحكمة إلى بحث الحق نفسه. ولهذا يسبق تكييف الدعوى كل إجراء آخر، وهو عمل يحسمه محامٍ مختص بعد دراسة الوقائع والسند القانوني للمطالبة.
وقد نظّم المشرع الأردني إجراءات إقامة الدعاوى واختصاص المحاكم بنظرها، دون أن يضع تعريفاً جامعاً مانعاً للدعوى القضائية، تاركاً ذلك للفقه والقضاء. وأبرز تقسيمات الدعاوى المدنية هو تقسيمها إلى دعاوى شخصية ودعاوى عينية ودعاوى مختلطة.
أولاً: الدعوى الشخصية وأساسها في الحق الشخصي
الدعوى الشخصية هي الدعوى التي تستند إلى حق شخصي، ويكون الهدف منها إلزام شخص معين بأداء التزام في مواجهة صاحب الحق. والحق الشخصي رابطة قانونية بين دائن ومدين، يكون للدائن بموجبها مطالبة المدين بأداء معين، سواء كان هذا الأداء إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل.
ومن أمثلة الدعاوى الشخصية:
- دعوى المطالبة بدين.
- دعوى المطالبة بأجرة.
- دعوى المطالبة بتنفيذ عقد.
- دعوى إلزام البائع بتسليم المبيع.
- دعوى التعويض عن الأضرار الناشئة عن فعل غير مشروع.
وتتميز الدعوى الشخصية بأن الخصومة فيها توجَّه أساساً إلى الملتزم بالحق الشخصي، لأن الحق الشخصي لا يُحتج به إلا في مواجهة المدين أو الشخص الملزم قانوناً بأدائه. ومن هنا فإن اختيار المدعى عليه في هذه الدعاوى ليس مسألة تسمية، بل نتيجة لتحليل الرابطة القانونية ذاتها ومن يقع عبء الأداء عليه.
الاختصاص المكاني في الدعوى الشخصية
نظّم المشرع الأردني الاختصاص المكاني للدعاوى الشخصية بموجب المادة (36) من قانون أصول المحاكمات المدنية، التي تقرر أن الاختصاص في دعاوى الحقوق الشخصية أو المنقولة يكون للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه، مع تنظيم الحالات التي لا يكون فيها للمدعى عليه موطن في الأردن أو عند تعدد المدعى عليهم.
وعليه فإن الأصل في الدعوى الشخصية أن تُقام أمام محكمة موطن المدعى عليه، ما لم يوجد نص قانوني يقرر اختصاصاً آخر. أما تحديد الموطن المعتبر قانوناً لمدعى عليه تتعدد عناوينه أو يقيم خارج المملكة، وكذلك تحديد المحكمة الأنسب عند تعدد المدعى عليهم، فيختلف بحسب طبيعة الرابطة ووقائع كل ملف، وهو نفسه نقطة قانونية تستحق استشارة قبل تسجيل الدعوى.
ثانياً: الدعوى العينية والحق الوارد على الشيء ذاته
الدعوى العينية هي الدعوى التي تستند إلى حق عيني، ويكون الغرض منها حماية هذا الحق أو تقريره في مواجهة من ينازع فيه أو يعتدي عليه. والحق العيني سلطة قانونية مباشرة يقررها القانون لشخص على شيء معين، وأبرز صوره حق الملكية وما يتفرع عنه من حقوق كالانتفاع والاستعمال والسكنى والارتفاق، إضافة إلى الحقوق العينية التبعية كالرهن والامتياز وفقاً لأحكام القانون.
ومن أبرز أمثلة الدعاوى العينية:
- دعوى تثبيت الملكية.
- دعوى منع التعرض للملكية.
- دعوى حق الارتفاق.
- دعوى حق الانتفاع.
- دعاوى الحيازة.
- الدعاوى المتعلقة بحقوق عينية واردة على العقارات.
وتختلف الدعوى العينية عن الدعوى الشخصية في أن الحق محل الحماية فيها يتعلق بالعين ذاتها، لا بمجرد مطالبة شخص معين بأداء التزام. ولهذا يرتبط إثبات الدعوى العينية بسند الحق على العين، وهي مسألة يعالجها المحامي بالرجوع إلى قيود التسجيل والوثائق المتصلة بالعقار، على النحو الموضح في مقال إثبات ملكية العقار في الأردن.
الدعاوى العينية العقارية
تكتسب الدعاوى العينية العقارية أهمية خاصة بسبب اتصالها بالعقار محل النزاع. وقد نصت المادة (37/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية على أن الاختصاص في الدعوى العينية العقارية ودعاوى الحيازة يكون للمحكمة التي يقع العقار في دائرتها، أو أحد أجزائه إذا كان العقار واقعاً ضمن دوائر اختصاص أكثر من محكمة.
ومعنى ذلك أن الاختصاص هنا يرتبط بمكان وجود العقار، لا بموطن المدعى عليه كما هو الأصل في الدعاوى الشخصية.
ثالثاً: جدول الفروق الجوهرية بين الدعوى الشخصية والدعوى العينية
| وجه المقارنة | الدعوى الشخصية | الدعوى العينية |
|---|---|---|
| مصدر الحق | رابطة قانونية بين دائن ومدين تنشأ عن عقد أو فعل غير مشروع أو نص في القانون | سلطة مباشرة يقررها القانون لشخص على شيء معين |
| محل الدعوى | أداء يلتزم به المدين: إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل | الحق العيني ذاته وارداً على منقول أو عقار |
| من تُرفع عليه | المدين أو الملتزم بالأداء دون سواه | من ينازع المدعي في حقه العيني أو يعتدي عليه، بحسب طبيعة الدعوى |
| الاختصاص المكاني | محكمة موطن المدعى عليه وفق المادة (36) | محكمة موقع العقار في الدعوى العينية العقارية ودعاوى الحيازة وفق المادة (37/1) |
| أمثلة | المطالبة بدين، المطالبة بأجرة، تنفيذ عقد، تسليم المبيع، التعويض عن فعل غير مشروع | تثبيت الملكية، منع التعرض، حق الارتفاق، حق الانتفاع، دعاوى الحيازة |
رابعاً: الدعوى الشخصية العقارية، أدق مواضع الخلط
من المهم التمييز بين الدعوى العينية العقارية والدعوى الشخصية العقارية، إذ إن مجرد تعلق الدعوى بعقار لا يجعلها بالضرورة دعوى عينية عقارية. فقد تتعلق الدعوى بعقار وتستند في حقيقتها إلى علاقة شخصية أو عقدية بين طرفين، فتكون دعوى شخصية عقارية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك دعاوى تنفيذ العقود المتعلقة بالعقارات، والدعاوى الناشئة عن علاقة إيجارية.
وقد استقر اجتهاد محكمة التمييز الأردنية على هذا التمييز، ومن ذلك ما ورد في الحكم الحقوقي رقم 4174 لسنة 2020، حيث اعتبرت المحكمة أن الدعوى المتعلقة بإخلاء واسترداد المأجور، متى كان أساسها إنهاء العلاقة العقدية بين طرفي الدعوى، هي دعوى شخصية عقارية وليست دعوى عينية عقارية. وبناءً عليه طبقت المحكمة حكم المادة (37/3) من قانون أصول المحاكمات المدنية بشأن الاختصاص المكاني للدعوى الشخصية العقارية، وهي المادة التي أجاز المشرع بموجبها في الدعاوى الشخصية العقارية إقامة الدعوى أمام محكمة موقع العقار أو محكمة موطن المدعى عليه.
وأثر هذا التمييز عملي بحت: نزاع واحد على شقة واحدة قد يكون دعوى عينية عقارية إذا قام على منازعة في الملكية ذاتها، ويكون دعوى شخصية عقارية إذا قام على إنهاء عقد الإيجار. وتفصيل هذه الصورة الأخيرة يظهر في مقال استرداد المأجور في القانون الأردني.
ملاحظة عملية: وصف الدعوى بأنها «عينية» أو «شخصية» لا يتقرر بما يسميه المدعي في لائحته، وإنما بالأساس القانوني الحقيقي للطلب، وهو أساس يتغير من ملف إلى آخر بحسب صياغة العقد والوقائع المحيطة به، ويتأثر باتجاهات الاجتهاد القضائي التي تتطور بمرور الوقت. ولذلك يُبنى التكييف على قراءة الملف كاملاً، أو استشارة محامٍ مختص.
خامساً: الدعاوى المختلطة
هناك دعاوى تجمع في طبيعتها بين الحق الشخصي والحق العيني، وتسمى الدعاوى المختلطة. وتظهر هذه الصورة عندما تكون الدعوى مستندة إلى حق شخصي وحق عيني ناشئين عن تصرف قانوني واحد.
ومن أمثلتها بعض الدعاوى المتعلقة بعقد بيع عقار، متى اجتمع فيها الالتزام الشخصي الناشئ عن العقد مع الحق العيني الناتج عن التسجيل وفقاً للأحوال التي يقررها القانون. وتحديد ما إذا كانت الدعوى مختلطة فعلاً، وما يترتب على ذلك من خيار في الطلبات وفي المحكمة التي تُقام أمامها، من المسائل التي يزنها المحامي في ضوء نصوص العقد وحالة التسجيل معاً.
سادساً: المصلحة شرطاً لقبول الدعوى
لا يكفي أن يدّعي الشخص وجود حق حتى تكون دعواه مقبولة، بل يجب أن تتوافر شروط قبول الدعوى، وفي مقدمتها المصلحة. وقد نصت المادة (3/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية على أنه: «لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون».
كما نصت المادة ذاتها في فقرتها الثانية على أن المصلحة المحتملة تكفي إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع.
ووجود المصلحة من الضوابط الأساسية التي تمنع إقامة الدعاوى دون فائدة قانونية حقيقية. ولذلك يبدأ المحامي تقييمه للملف بفحص المصلحة وصفة الخصوم قبل الانتقال إلى بحث موضوع الحق، لأن انتفاء المصلحة يُنهي الدعوى عند بابها مهما كانت قوة الأدلة الموضوعية.
سابعاً: الآثار العملية المترتبة على التمييز
التمييز بين الدعوى الشخصية والدعوى العينية ليس تقسيماً فقهياً نظرياً، فهو يحكم عدداً من المسائل الإجرائية:
- تحديد المحكمة المختصة مكانياً.
- تحديد الخصم الذي توجَّه إليه الدعوى.
- تحديد طبيعة الحق محل الحماية القضائية.
- تحديد الأساس القانوني للدعوى.
- تحديد طبيعة الطلبات التي يجوز إبداؤها أمام المحكمة.
- تفادي رد الدعوى أو عدم قبولها بسبب الخطأ في تحديد طبيعتها أو المحكمة المختصة.
ولهذا لا يُكتفى عند إعداد لائحة الدعوى بالوصف الذي يطلقه المدعي على مطالبته، بل يدرس المحامي الوقائع والطلبات وسندها القانوني دراسة دقيقة قبل تحرير اللائحة، لأن تصحيح الوصف بعد رفع الدعوى ليس دائماً ممكناً بالكلفة ذاتها.
ثامناً: تصورات شائعة يصححها التكييف السليم
«كل دعوى تتعلق بعقار هي دعوى عينية عقارية». هذا أكثر الأخطاء شيوعاً، وقد حسمه الاجتهاد القضائي المشار إليه أعلاه: العبرة بأساس المطالبة، لا بمحلها المادي.
«الاختصاص المكاني تفصيل شكلي تتجاوزه المحكمة». الدفع بعدم الاختصاص من الدفوع التي تُثار في مستهل الخصومة، وقبوله يعني انتهاء الدعوى أمام تلك المحكمة دون بحث الحق، مع ما يترتب على ذلك من وقت ونفقات وأثر محتمل على المدد القانونية.
«الوصف الذي أضعه في اللائحة يحدد نوع الدعوى». الوصف الذي يطلقه المدعي لا يُلزم المحكمة، وإنما تنظر المحكمة إلى حقيقة الطلب وسنده. ولذلك يوجّه المحامي عنايته إلى بناء الطلب على أساسه القانوني الصحيح منذ البداية، لا إلى تسميته.
تاسعاً: أسئلة متكررة
ما الفرق باختصار بين الدعوى الشخصية والدعوى العينية؟
الدعوى الشخصية تحمي حقاً شخصياً في مواجهة مدين ملتزم بأداء، أما الدعوى العينية فتحمي حقاً عينياً وارداً مباشرة على شيء معين في مواجهة من ينازع فيه أو يعتدي عليه.
هل كل دعوى تتعلق بعقار تُعد دعوى عينية عقارية؟
لا. إذا كان أساس الدعوى علاقة شخصية أو عقدية بين الطرفين فهي دعوى شخصية عقارية، ولو كان محلها عقاراً، وهو ما قررته محكمة التمييز في الحكم الحقوقي رقم 4174 لسنة 2020.
أمام أي محكمة تُقام الدعوى الشخصية؟
الأصل أنها تُقام أمام محكمة موطن المدعى عليه وفق المادة (36) من قانون أصول المحاكمات المدنية، ما لم يقرر نص قانوني اختصاصاً آخر.
ما المحكمة المختصة في الدعوى العينية العقارية ودعاوى الحيازة؟
المحكمة التي يقع العقار أو أحد أجزائه في دائرتها، وفق المادة (37/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية.
ما المقصود بالدعوى المختلطة؟
هي الدعوى التي تجمع بين حق شخصي وحق عيني ناشئين عن تصرف قانوني واحد، ومن أمثلتها بعض دعاوى بيع العقار. وتحديد وصفها ونطاق الطلبات فيها من المسائل التي يحسمها المحامي بعد الاطلاع على العقد وحالة التسجيل.
هل يكفي ادّعاء الحق لقبول الدعوى؟
لا يكفي. تشترط المادة (3/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية توافر مصلحة قائمة يقرها القانون، وتكفي المصلحة المحتملة في حالتي الاحتياط لدفع ضرر محدق والاستيثاق لحق يخشى زوال دليله.
ما أثر الخطأ في تكييف الدعوى أو في تحديد المحكمة؟
قد يؤدي إلى رد الدعوى أو عدم قبولها قبل بحث الموضوع، فيخسر المدعي وقته ونفقاته دون أن تفصل المحكمة في حقه. وهذا الأثر هو السبب الرئيس لعرض الملف على محامٍ مختص قبل تحرير لائحة الدعوى.
استشارة قانونية
تكييف الدعوى المدنية من المسائل التي يظهر أثرها مبكراً وبصورة يصعب تداركها لاحقاً، سواء من جهة المدعي الذي قد يخسر دعواه شكلاً دون أن يُبحث حقه، أو من جهة المدعى عليه الذي قد يفوّت دفعاً جوهرياً بعدم الاختصاص إن لم يُثَر في وقته. ولأن الفصل بين الأساس الشخصي والأساس العيني يقوم على قراءة العقد والوقائع وسند الحق على العين معاً، فإن إعداد لائحة الدعوى أو اللائحة الجوابية دون تقييم قانوني دقيق يعرّض الملف لخسارة إجرائية لا علاقة لها بقوة الحق نفسه. وللحصول على استشارة قانونية متخصصة في القضايا المدنية والتجارية، أو للاطلاع على ما يتصل بهذا الموضوع في التعويض المدني حسب القانون الأردني وتحصيل الديون في الأردن والتعويض عن الضرر المادي في المسؤولية التقصيرية، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة والاستشارات القانونية.