تزييف العملة في القانون الأردني: الجريمة والعقوبة وحدود المسؤولية

تزييف العملة في القانون الأردني: الجريمة والعقوبة وحدود المسؤولية

راشد العبويني - محامي نظامي- شرعي
بقلم: راشد العبويني محامي نظامي- شرعي

تُعدّ جريمة تزييف العملة من أخطر الجرائم الماسة بالثقة العامة في قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته، إذ لا يقتصر أثرها على من تعامل بالورقة المزيفة، بل يطال النقد الوطني نفسه بوصفه ركيزة للاقتصاد وثقة الناس بوسيلة التبادل. وقد أفرد المشرّع لهذه الجريمة وما يتصل بها من تقليد وترويج موضعاً خاصاً ضمن «الجرائم المخلة بالثقة العامة»، وشدّد عقوبتها لتبلغ في صورها الجسيمة الأشغال الشاقة. غير أنّ الخط الفاصل بين من يقع ضحيةً لورقة مزيفة وصلت إليه دون علمه وبين من يُسأل جنائياً عن ترويجها كثيراً ما يتوقف على نقطة واحدة دقيقة هي القصد الجرمي والعلم بالتزييف، وهي مسألة تُحسم في الساعات الأولى من التحقيق ولا يصحّ خوضها دون محامٍ مختص.

أولاً: التعريف القانوني لتزييف العملة

يُقصد بتزييف العملة كل اصطناع أو تقليد لنقد ورقي أو معدني على نحو يجعله مشابهاً للعملة الصحيحة بقصد تمريره على أنه أصلي، كما يشمل التلاعب بمكوّنات العملة النظامية أو تغيير بياناتها لإظهارها بقيمة أو صفة لا تحملها في الأصل. والنقد الوطني في الأردن تصدره جهة واحدة مختصة هي البنك المركزي الأردني، ومن ثمّ فإنّ أي محاكاة له من غير هذه الجهة تدخل في دائرة التجريم متى اقترنت بنية التداول.

والحقّ الذي يحميه القانون هنا ليس مصلحة فرد بعينه، بل الثقة العامة في النقد باعتباره أداة للوفاء والتبادل؛ ولذلك تُصنّف هذه الجريمة ضمن الجرائم الواقعة على المصلحة العامة لا على المال الخاص وحده، وهو تصنيف ينعكس مباشرةً على شدّة العقوبة وعلى طبيعة الدعوى، ويجعل التعامل معها مختلفاً عن أي نزاع مالي عادي يمكن إنهاؤه بالتراضي بين طرفيه.

ثانياً: صور جريمة تزييف العملة

تتعدّد الأفعال التي يتناولها القانون تحت هذا الباب، وتختلف في جسامتها ووصفها القانوني تبعاً للفعل ونية مرتكبه. ومن أبرزها:

  • التقليد والاصطناع: إنشاء نقد ورقي أو معدني يحاكي العملة الصحيحة باستخدام وسائل الطباعة أو السبك أو النسخ الحديثة.
  • التزييف بالتعديل: التلاعب بعملة نظامية لتغيير قيمتها أو بياناتها على نحو يوهم بخلاف حقيقتها.
  • الترويج والإنفاق: تمرير العملة المزيفة في التداول، كاستعمالها في الشراء أو الوفاء بالتزام، مع العلم بتزييفها.
  • الحيازة بقصد الترويج: الاحتفاظ بعملة مزيفة لا لمجرد الاقتناء، بل تمهيداً لإدخالها في التداول.
  • الإدخال من الخارج والنقل: جلب عملة مزيفة إلى داخل المملكة أو نقلها وتوزيعها بين الناس.

والفارق بين هذه الصور ليس تفصيلاً نظرياً؛ فالوصف الذي يُكيَّف به الفعل هو ما يحدّد جسامة التهمة والعقوبة المتوقعة. وهو أول ما يدقّق فيه المحامي عند دراسة الملف، إذ قد ينقل التكييف الدقيق الواقعة من جناية مشدّدة إلى وصف أخفّ بحسب ثبوت النية ودور المتهم في الواقعة وموقعه منها.

وفي الواقع العملي لا تأتي هذه القضايا في صورة واحدة؛ فبعضها يتصل بورش إنتاج منظّمة تُضبط فيها معدّات وأدوات، وبعضها لا يعدو شخصاً واحداً ضُبطت بحوزته أوراق قليلة، وبعضها الثالث تاجر اكتشف فجأةً أنّ ما بين يديه ورقة لا تصلح للتداول. وكل صورة من هذه الصور تُقرأ قانونياً قراءةً مختلفة، فلا يصحّ أن يُعامَل من تلقّى ورقة مزيفة في مصروفه معاملة من يديرها مشروعاً للترويج، وهذا الفارق في الموقع من الواقعة هو ما يبني عليه المحامي خط الدفاع منذ البداية.

ثالثاً: التمييز بين تزييف العملة والتزوير الجنائي والاحتيال

كثيراً ما تختلط جريمة تزييف العملة في الأذهان بجرائم مالية مجاورة كالتزوير والاحتيال، رغم أنّ لكلٍّ منها محلّه وركنه المميّز. والجدول التالي يوضح الفروق الجوهرية من المنظور القانوني الأردني:

وجه المقارنة تزييف العملة التزوير الجنائي الاحتيال
محل الجريمة النقد الوطني أو الأجنبي محرَّر أو سند يُحتجّ به إرادة المجني عليه وأمواله
المصلحة المحمية الثقة العامة بالنقد الثقة في المحررات والإثبات الذمة المالية للأفراد
طبيعة الفعل اصطناع عملة أو ترويجها تحريف الحقيقة في مستند استعمال طرق احتيالية للإيقاع بالضحية
من يقع عليه الاعتداء المجتمع والاقتصاد ككل كل من يُحتجّ عليه بالمحرَّر شخص بعينه جرى خداعه

ولأنّ هذه الجرائم تتقاطع في الوقائع، فإنّ تحديد الوصف الصحيح للفعل، وهل هو تزييف للعملة أم تزوير جنائي أم احتيال، مسألة فنية دقيقة تتغيّر بها العقوبة والمحكمة المختصة، ويتولّاها المحامي بعد الاطلاع على المضبوطات وتقارير الفحص الفني.

رابعاً: أركان الجريمة والقصد الجرمي

تقوم جريمة تزييف العملة، كسائر الجرائم الجزائية، على ركن مادي وركن معنوي، غير أنّ مربط النقاش في معظم القضايا هو الركن المعنوي تحديداً.

الركن المادي يتمثل في النشاط الإجرامي ذاته: اصطناع العملة أو تقليدها أو تعديلها أو ترويجها أو حيازتها بقصد التداول. ويُستظهر هذا الركن عادةً من المضبوطات والأدوات ومن تقارير الخبرة الفنية التي تكشف طبيعة الورقة أو القطعة وكيفية إنتاجها.

الركن المعنوي هو العلم والإرادة: علم الفاعل بأنّ العملة مزيفة، واتجاه إرادته إلى ترويجها أو التعامل بها على هذا الأساس. وهنا تكمن النقطة الأكثر حسماً في هذا النوع من القضايا؛ فحيازة ورقة مزيفة أو إنفاقها لا يكفيان وحدهما لقيام الجريمة في صورتها العمدية ما لم يثبت أنّ الشخص كان عالماً بحقيقتها. ومن ثمّ فإنّ إثبات العلم أو نفيه، بكل ما يحيط به من قرائن على مصدر العملة وظروف الحصول عليها وسلوك الشخص بعد اكتشاف الأمر، هو ميدان الدفاع الأول، وهو نفسه نقطة قانونية دقيقة لا تُترك لتقدير غير المختص.

خامساً: عقوبة تزييف العملة

عامل المشرّع الأردني جرائم العملة بشدّة تتناسب مع خطورتها على الاقتصاد والثقة العامة، فجعل صورها الجسيمة من نوع الجنايات المعاقب عليها بالأشغال الشاقة، مع تفاوت في الجسامة بحسب الفعل؛ فالتقليد والاصطناع أشدّ في الأصل من مجرد الحيازة، ويزداد التشديد إذا اتصلت الجريمة بتنظيم إجرامي أو وقعت على نطاق واسع أو تكرّرت من الشخص نفسه. وكثيراً ما تقترن العقوبة الأصلية بمصادرة العملة المزيفة والأدوات والمعدات المستخدمة في إنتاجها.

ملاحظة عملية: الأرقام الدقيقة للعقوبة وحدودها الدنيا والعليا تتأثر بصورة الفعل ووصفه القانوني وبأي تعديلات تطرأ على النصوص، ولا يصحّ البناء على رقم متداول دون الرجوع إلى وصف الواقعة في الملف بعينه. وهذا تحديداً ما يقيّمه المحامي عند دراسة المركز القانوني للمتهم، أو ما يستدعي استشارة محامٍ مختص قبل اتخاذ أي موقف.

سادساً: حسن النية وحدود المسؤولية

ليس كل من وُجدت بحوزته عملة مزيفة أو تعامل بها مجرماً في نظر القانون. فالحالة الأكثر شيوعاً في الواقع العملي هي التاجر أو المواطن الذي يتلقّى ورقة مزيفة ضمن باقي نقوده، كصرف مبلغ أو بدل بضاعة، ثم يعيد إنفاقها وهو لا يعلم بحقيقتها. في مثل هذه الحالة ينتفي القصد الجرمي الذي تقوم به الجريمة العمدية، وينتقل النقاش من «هل وقع الفعل؟» إلى «هل كان يعلم؟»، وهو السؤال الذي تُبنى عليه براءة المتهم أو إدانته.

غير أنّ نفي العلم لا يُفترض تلقائياً لمجرد إنكاره؛ بل يُستظهر من مجموع القرائن: مصدر العملة، وطبيعة نشاط الشخص، وسلوكه فور اكتشاف التزييف، ومدى تكرار الواقعة. ولهذا فإنّ أخطر ما يقع فيه المتلقي حسن النية هو الإدلاء بأقوال غير مدروسة في التحقيق الأولي ظناً منه أنّ الأمر بسيط، فيقدّم من حيث لا يدري ما قد يُفسَّر ضده لاحقاً. والقاعدة العملية هنا واضحة: لا يصحّ الإدلاء بأي تصريح حول مصدر العملة أو العلم بها قبل حضور المحامي واطلاعه على وضع الملف.

سابعاً: المسار الإجرائي ودور المحامي

تمرّ قضايا تزييف العملة عادةً بمسار جزائي يبدأ من ضبط الواقعة أو المضبوطات، مروراً بتحقيق النيابة العامة وإحالة العملة إلى الخبرة الفنية لفحصها، وصولاً إلى المحاكمة أمام المحكمة المختصة بحسب جسامة الوصف. وتحديد المحكمة المختصة ذاته يتبع طبيعة الواقعة ووصفها القانوني، ويقدّره المحامي مبكراً لأنّ أثره يمتدّ إلى مسار الدفاع كله.

ويتركّز عمل المحامي في هذه القضايا على ما يصعب على غير المختص الإحاطة به: التدقيق في سلامة إجراءات الضبط والتفتيش، ومناقشة تقرير الخبرة الفنية حول العملة، وفحص مدى توافر القصد والعلم، وتقييم التكييف القانوني للواقعة ومدى انطباق الوصف الأشدّ أو الأخفّ عليها. وكل خطوة من هذه الخطوات لها توقيتها الدقيق؛ فالحقوق الإجرائية التي لا تُثار في حينها قد تضيع، وهو ما يجعل التبكير في الاستعانة بالمحامي عاملاً مؤثراً في نتيجة الملف لا إجراءً شكلياً يؤجَّل إلى ما بعد المحاكمة.

أسئلة متكررة

هل يُعاقب من تداول عملة مزيفة دون علمه بأنها مزيفة؟

الجريمة في صورتها العمدية تتطلب العلم بالتزييف واتجاه الإرادة إلى الترويج. فمن تلقّى عملة مزيفة ضمن نقوده وأنفقها وهو يجهل حقيقتها ينتفي لديه القصد الجرمي، لكن نفي العلم مسألة إثبات تُستظهر من القرائن، ولا يُكتفى فيها بمجرد الإنكار.

ما الفرق بين تقليد العملة وتزييفها؟

التقليد يشير غالباً إلى اصطناع عملة جديدة تحاكي الصحيحة من العدم، أما التزييف بالتعديل فيكون بالتلاعب بعملة قائمة لتغيير قيمتها أو بياناتها. والوصف الدقيق لكلٍّ منهما ينعكس على جسامة التهمة والعقوبة.

هل مجرد حيازة عملة مزيفة جريمة ولو لم تُستعمل؟

قد تُجرَّم الحيازة إذا اقترنت بقصد الترويج أو التداول، وعندها يدور النقاش حول إثبات هذا القصد من ظروف الحيازة وكميتها وملابساتها، وهي نقطة دفاع جوهرية تختلف من ملف إلى آخر.

هل تشمل الجريمة العملات الأجنبية أم النقد الأردني فقط؟

الحماية القانونية لا تقتصر في الأصل على النقد الوطني، إذ تمتدّ إلى العملات الأجنبية المتداولة، لأنّ المصلحة المحمية هي الثقة بالنقد كأداة تبادل بصورة عامة.

ما المحكمة المختصة بنظر قضايا تزييف العملة؟

يتحدّد ذلك بحسب الوصف القانوني للواقعة وجسامتها، وهو ما يقدّره المحامي في ضوء وقائع كل ملف، إذ يختلف المسار باختلاف التكييف.

هل يمكن إنهاء القضية بالتصالح كالنزاعات المالية الخاصة؟

لأنّ الجريمة ماسة بالثقة العامة لا بمصلحة فرد بعينه، فإنّها تتصل بالحق العام الذي لا يسقط بالتصالح كما في المنازعات المالية الخاصة، ويبقى تقدير المركز القانوني للمتهم رهناً بدراسة الملف بكامل وقائعه.

مقالات ذات صلة

تتقاطع جريمة تزييف العملة مع عدد من الجرائم المالية التي تستحقّ التعمّق المستقل:

استشارة قانونية

قضايا تزييف العملة من أكثر الملفات حساسية، إذ قد يجد المتلقي حسن النية الذي وصلته ورقة مزيفة دون علمه نفسه أمام خطر اتهام يقلب موقفه رأساً على عقب، بينما يواجه من تُسند إليه واقعة جسيمة عقوبات قد تبلغ الأشغال الشاقة. وبين الوصفين تفصل نقطة القصد والعلم التي يصعب الدفاع عنها دون خبرة متخصصة ومنذ التحقيق الأول، حيث قد يضيع الحق الإجرائي الذي لا يُثار في حينه. وللحصول على استشارة قانونية متخصصة في القضايا الجنائية، أو الاطلاع على ما يتصل بالموضوع من جرائم مالية في جريمة الاختلاس وقضايا المخدرات وما يرتبط بها من ملاحقة جزائية، يمكنكم التواصل مع مكتب العبويني للمحاماة.

مقالات ذات صلة